منتدي شعبان مجاورعلي المحامي ـ أهناسيا ـ بني سويف مصــــــــر
*منتدي شعبان مجاورعلي المحامي يشرفه زيارتكم وتسعده المشاركة*

الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

اذهب الى الأسفل

الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 8:46 pm

[rtl]  حقوق الأخوة والصحبة[/rtl]
[rtl]اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقاً يجب الوفاء بها قياماً بحق النكاح. كما سبق ذكره في كتاب آداب النكاح. فكذا عقد الأخوة، فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء وبالإخلاص والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف وذلك يجمعه ثمانية حقوق: [/rtl]
[rtl]الحق الأول [/rtl]
[rtl]في المال[/rtl]
[rtl]قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى"، وإنما شبههما باليدين لا باليد والرجل لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء والمشاركة في المآل والحال وارتفاع الاختصاص والاستثمار. والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب: أدناها: أن تنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.[/rtl]
[rtl]الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال قال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه.[/rtl]
[rtl]
الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضاً، كما روي أنه سعى بجماعة من الصوفية إلى بعض الخلفاء فأمر بضرب رقابهم وفيهم أبو الحسن النوري فبادر إلى السياف ليكون هو أول مقتول فقيل له في ذلك فقال: أحببت أن أؤثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة، فكان ذلك سبب نجاة جميعهم قي حكاية طويلة، فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين، فقد قال ميمون بن مهران: من رضي من الإخوان بترك الإفضال فليؤاخ أهل القبور.
[/rtl]
[rtl]وأما الدرجة الدنيا فليست أيضاً مرضية عند ذوي الدين، روي أن عتبة الغلام جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف، فقال خذ ألفين فأعرض عنه وقال آثرت الدنيا على الله أما استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا، ومن كان في الدرجة الدنيا من الأخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا. قال أبو حازم: إذا كان لك أخ في الله فلا تعامله في أمور دنياك وإنما أراد به من في هذه الرتبة. وأما الرتبة العليا: فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله: "وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله عن بعض، وكان منهم من لا يصحب من قال: نعلي، لأنه أضافه إلى نفسه. وجاء فتحي الموصلي إلى منزل لأخ له وكان غائباً، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته فأخبرت الجارية مولاها فقال: إن صدقت فأنت حرة لوجه الله سروراً بما فعل. وجاء رجل إلى أبو هريرة رضي الله عنه وقال: إني أريد أن أؤاخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء؟ قال: عرفني، قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني، قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد؟ فاذهب عني. وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟ قال: لا قال: فلستم بإخوان. ودخل قوم على الحسن رضي الله عنه فقالوا: يا أبا سعيد أصليت؟ قال: نعم، قالوا: فإن أهل السوق لم يصلوا بعد، قال: ومن يأخذ دينه من أهل السوق؟ بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم! قاله كالمتعجب منه. وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله وهو يريد بيت المقدس فقال: إني أريد أن أرافقك، فقال له إبراهيم: على أن أكون أملك لشيئك منك: قال: لا، قال: أعجبني صدقك، قال: فكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله إذا رافقه رجل لم يخالفه وكان لا يصحب إلا من يوافقه، وصحبه رجل شراك فأهدى رجل إلى إبراهيم في بعض المنازل قصعة من ثريد ففتح جراب رفيقه وأخذ حزمة من شراك وجعلها في القصعة وردها إلى صاحب الهدية، فلما جاء رفيقه قال: أين الشراك؟ قال: ذلك الثريد الذي أكلته إيش كان؟ قال: كنت تعطيه شراكين أو ثلاثة. قال: اسمح يسمح لك. وأعطى مرة حماراً كان لرفيقه بغير إذنه رجلاً رآه فلما جاء رفيقه سكت ولم يكره ذلك. قال ابن عمر رضي الله عنهما أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة، فقال: أخي فلان أحوج مني إليه فبعث به إليه فبعث ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به من واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة. وروي أن مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً وكان على أخيه خثيمة دين قال: فذهب مسروق فقضى دين خثيمة وهو لا يعلم وذهب خثيمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم، ولما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع آثره بالمال والنفس فقال عبد الرحمن: بارك الله لك فيهما فآثره بما آثره به، وكأنه قبله ثم آثره به وذلك مساواة والبداية إيثار والإيثار أفضل من المساواة. وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي لجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له. وقال أيضاً: إني لألقم اللقمة أخاً من إخواني فأجد طعمها في حلقي. ولما كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال علي رضي الله تعالى عنه: لعشرون درهماً أعطيها أخي في الله أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين. وقال أيضاً: لأن أصنع صاعاً من طعام وأجمع عليه إخواني في الله أحب إلي من أن أعتق رقبة. واقتداء الكل في الإيثار برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه دخل غيضة مع بعض أصحابه فاجتنى منها سواكين أحدهما معوج والآخر مستقيم فدفع المستقيم إلى صاحبه، فقال له: يا رسول الله كنت والله أحق بالمستقيم مني فقال: "ما من صاحب يصحب صاحباً ولو ساعة من النهار إلا سئل عن صحبته هل أقام فيها حق الله أم أضاعه". فأشار بهذا إلى أن الإيثار هو القيام بحق الله في الصحبة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر يغتسل عندها فأمسك حذيفة بن اليمان الثوب وقام يستر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اغتسل ثم جلس حذيفة ليغتسل، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب وقام يستر حذيفة عن الناس فأبى حذيفة وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تفعل فأبى عليه السلام إلا أن يستره بالثوب حتى اغتسل وقال صلى الله عليه وسلم: "ما اصطحب اثنان قط إلا كان أحنهما إلى الله أرفقهما بصاحبه"، وروي أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائباً فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل فقال له مالك: كف يدك حتى يجيء صاحب البيت، فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل، وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقاً فدخل الحسن وقال: يا مويلك هكذا كنا لا يحتشم بعضنا بعضاً حتى ظهرت أنت وأصحابك. وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة كيف وقد قال الله تعالى: "أو صديقكم" وقال: "أو ما ملكتم مفاتحه" إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض له التصرف كما يريد، وكان أخوه يتحرج عن الأكل بحكم التقوى حتى أنزل الله تعالى هذه الآية وأذن لهم في الانبساط في طعام الإخوان والأصدقاء.[/rtl]
[rtl]الحق الثاني [/rtl]
[rtl]في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات الخاصة [/rtl]
[rtl]وهذه أيضاً لها درجات كما للمواساة بالمال فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة. وقال بعضهم: إذا استقيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد نسي فإن لم يقضها فكر عليه واقرأ هذه الآية: "والموتى يبعثهم" وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض لإخوانه كبيرة فجاء بهدية، فقال: ما هذا؟ قال: لما أسديته غلي، فقال: خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى. قال جعفر بن محمد: إني لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردهم فيستغنوا عني: هذا في الأعداء فكيف في الأصدقاء؟ وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله فكانوا لا يفتقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت، هل لكم ملح، هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها من حيث لا يعرفه أخوه. وبهذا تظهر الشفعة والأخوة فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها. قال ميمون بن مهران: من لم تنفع بصداقته لم تضرك عداوته. وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحب الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها، أصفاها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان"وبالجملة، فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقداً لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ترى لنفسك حقاً بسبب قيامك بها، بل تتقلد منة بقبوله سعيك على الأقارب والولد. كان الحسن يقول: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا بالآخرة. وقال الحسن: من شيع أخاه في الله بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة. وفي الأثر: "ما زار رجل أخاً في الله شوقاً إلى لقائه إلا ناداه ملك من خلفه طبت وطابت لك الجنة". وقال عطاء: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم. وروي: "أن ابن عمر كان يلتفت يميناً وشمالاً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال: أحببت رجلاً فأنا أطلبه ولا أراه فقال: إذا أحببت أحداً فسله عن اسمه واسم أبيه وعن منزله فإن كان مريضاً عدته وإن كان مشغولاً أعنته". وفي رواية: وعن اسم جده وعشيرته. وقال الشعبي في الرجل يجالس الرجل فيقول أعرف وجهه ولا أعرف اسمه: تلك معرفة النوكي. وقيل لابن عباس: من أحب الناس إليك؟ قال: جليسي، وقال: ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثاً من غير حاجة له إلي فعلمت ما مكافأته من الدنيا. وقال سعيد بن العاص: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له. وقد قال تعالى: "رحماء بينهم" إشارة إلى الشفقة والإكرام. ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده عن أخيه.[/rtl]
[rtl]الحق الثالث [/rtl]
[rtl]في اللسان بالسكوت مرة وبالنطق أخرى[/rtl]
[rtl]أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته، بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده ولا يسأله عنه فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه، وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة والوحشة، فإن ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه، فإن الذي سبك من بلغك. وقال أنس: "كان صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحداً بشيء يكرهه"، والتأذي يحصل أولاً من المبلغ ثم من القائل، نعم لا ينبغي أن يخفي ما يسمع من الثناء عليه فإن السرور به أولاً يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل، وإخفاء ذلك من الحسد. وبالجملة، فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلاً إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت فإذا ذاك لا يبالي بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن أنها إساءة في الظاهر.[/rtl]
[rtl]أما ذكر مساوئه وعيوبه ومساوئ أهله فهو من الغيبة وذلك حرام في حق كل مسلم ويزجرك عنه أمران: أحدهما: أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئاً واحداً مذموماً فهون على نفسك ما تراه من أخيك وقدر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما أنك عاجز عما أنت مبتلى به ولا تستثقله يخصلة واحدة مذمومة فأي الرجال المهذب؟ وكل ما لا تصادفه من نفسك في حق الله فلا تنتظره من أخيك في حق نفسك فليس حقك عليه بأكثر من حق الله عليك. والأمر الثاني: أنك تعلم أنك لو طلبت منزهاً عن كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة ولن تجد من تصاحبه أصلاً فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوئ فإذا غلبت المحاسن المساوئ فهو الغاية والمنتهى، فالمؤمن الكريم أبداً يحضر في نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام، وأما المنافق اللئيم فإنه أبداً يلاحظ المساوئ والعيوب. قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات. وقال الفضيل: الفتوة العفو عن زلات الإخوان ولذلك قال عليه السلام: "استعيذوا بالله من جار السوء الذي إن رأى خيراً ستره وإن رأى شراً أظهره"، وما من شخص إلا ويمكن تحسين حاله بخصال فيه ويمكن تقبيحه أيضاً. روي أن رجلاً أثنى على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد ذمه فقال عليه السلام: "أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه؟" فقال: والله لقد صدقت عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم إنه أرضاني بالأمس فقلت أحسن ما عملت فيه وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما عملت فيه فقال عليه السلام: "إن من البيان لسحراً"، وكأنه كره ذلك فشبهه بالسحر، ولذلك قال في خبر آخر: "البذاء والبيان شعبتان من النفاق"، وفي الحديث الآخر: "إن الله يكره لكم البيان كل البيان" وكذلك قال الشافعي رحمه الله: ما أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه ولا أحد يعصي الله ولا يطيعه. فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل وإذا جعل مثل هذا عدلاً في حق الله فبأن تراه عدلاً في حق نفسك ومقتضى أخوتك أولى. وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك إساءة الظن فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضاً، وحده أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكن أن تحمله على وجه حسن. فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فلا يمكنك أن لا تعلمه وعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن، وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرساً وهو الذي يستند إلى علامة فإن ذلك يحرك الظن تحريكاً ضرورياً لا يقدر على دفعه، وإلى ما من منشؤه سوء اعتقادك فيه حتى يصدر منه فعل له وجهان، فيحملك سوء الاعتقاد فيه على أن تنزله على الوجه الأردإ من غير علامة تخصه به، وذلك جناية عليه بالباطن وذلك حرام في حق كل مؤمن. إذ قال صلى الله عليه وسلم: "ن الله قد حرم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"، وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً"، والتجسس في تطلع الأخبار والتحسس بالمراقبة بالعين. فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين. ويكفيك تنبيهاً على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل أن الله تعالى وصف به في الدعاء فقيل: يا من أظهر الجميل وستر القبيح. والمرضي عند الله من تخلق بأخلاقه فإنه ستار العيوب وغفار الذنوب ومتجاوز عن العبيد، فكيف لا تتجاوز أنت عمن هو مثلك أو فوقك وما هو بكل حال عبدك ولا مخلوقك؟ وقد قال عيسى عليه السلام للحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً وقد كشف الريح ثوبه عنه؟ قالوا: نستره ونغطيه، قال: بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟ فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها. واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ولا شك أنه ينتظر منه ستر العورة والسكوت على المساوئ والعيوب، ولو ظهر له منه نقيض ما ينتظره اشتد عليه غيظه وغضبه فما أبعده إذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له ولا يعزم عليه لأجله، وويل له في نص كتاب الله تعالى حيث قال: "ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" وكل من يلتمس من الإنصاف أكثر مما تسمح به نفسه فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية. ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الداء الدفين في الباطن وهو الحقد والحسد، فإن الحقود الحسود يملأ باطنه بالخبث ولكن يحبسه في باطنه ويخفيه ولا يبديه مهما لم يجد له مجالاً وإذا مجد فرصة انحلت الرابطة وارتفع الحياء ويترشح الباطن بخبثه الدفين. ومهما انطوى الباطن على  حقد وحسد فالانقطاع أولى، قال بعض الحكماء: ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد، ولا يزيد لطف الحقود إلا وحشة منه، ومن في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف وأمره مخطر وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله.[/rtl]
[rtl]وقد زوى عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أنه قال: كنت باليمن ولي جار يهودي يخبرني عن التوراة فقدم علي اليهودي من سفر فقلت إن الله قد بعث فينا نبياً فدعانا إلى الإسلام فأسلمنا وقد أنزل علينا كتاباً مصدقاً للتوراة، فقال اليهودي: صدقت ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به، إنا نجد نعته ونعت أمته في التوراة: إنه لا يحل لامرئ أن يخرج من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة على أخيه المسلم. ومن ذلك أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه، وله أن ينكره وإن كان كاذباً فليس الصدق واجباً في كل مقام، فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه، فإن أخاه نازل منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن، هذه حقيقة الأخوة وكذلك لا يكون بالعمل بين يدي مرائياً وخارجاً عن أعمال السر إلى أعمال العلانية فإن معرفة أخيه بعمله كمعرفته بنفسه من غير فرق، وقد قال عليه السلام: "من ستر عورة أخيه ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة"، وفي خبر آخر: "فكأنما أحيا موءودة"، وقال عليه السلام: "إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة"، وقال: "المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: مجلس يسفك فيه دم حرام، ومجلس يستحل فيه فرج حرام، ومجلس يستحل فيه مال من غير حله"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره" .[/rtl]
[rtl]قيل لبعض الأدباء: كيف حفظك للسر؟ قال: أنا أقبره. وقد قيل: صدور الأحرار قبور الأسرار. وقيل: إن قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه، أي لا يستطيع الأحمق إخفاء ما في نفسه فيبديه من حيث لا يدري به. فمن هذا يجب مقاطعة الحمقى والتوقي عن صحبتهم بل عن مشاهدتهم. وقد قيل لآخر: كيف تحفظ السر؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. وقال آخر: استره وأستر أني أستره وعبر عنه ابن المعتز فقال:  [/rtl]
[rtl]ومستودعي سراً تبوأت كتمـه[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]فأودعته صدري فصار له قبرا[/rtl]
[rtl]وقال آخر وأراد الزيادة عليه: [/rtl]
[rtl]وما السر في صدري كثاو بقبره[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]لأني أرى المقبور ينتظر النشرا[/rtl]
[rtl]ولكنني أنساه حتـى كـأنـنـي[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]بما كان منه لم أحط ساعة خبرا[/rtl]
[rtl]ولو جاز كتم السر بيني وبـينـه[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]عن السر والأحشاء لم تعلم السرا[/rtl]
[rtl]وأفشى بعضهم سراً له إلى أخيه ثم قال له: حفظت؟ فقال: بل نسيت. وكان أبو سعيد الثوري يقول: إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه ثم دس عليه من يسأله عنك وعن أسرارك، فإن قال خيراً وكتم سرك فاصحبه. وقيل لأبي يزيد: من تصحب من الناس؟ قال: من يعلم منك ما يعلم الله ثم يستر عليك كما يستره الله. وقال ذو النون: لا خير في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوماً ومن أفشى السر عند الغضب فهو اللئيم لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها. وقد قال بعض الحكماء: لا تصحب من يتغير عليك عند أربع: عند غضبه ورضاه، وعند طمعه وهواه. بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتاً على اختلاف هذه الأحوال ولذلك قيل:  [/rtl]
[rtl]وترى الكريم إذا تصرم وصله[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يخفي القبيح ويظهر الإحسانا[/rtl]
[rtl]وترى اللئيم إذا تقضى وصله[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يخفي الجميل ويظهر البهتانا[/rtl]
[rtl]وقال العباس لابنه عبد الله: إني أرى هذا الرجل. يعني عمر رضي الله عنه. يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمساً: لا تفشين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا تجرين عليه كذباً، ولا تعصين له أمراً، ولا يطلعن منك على خيانة، فقال الشعبي: كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف. ومن ذلك السكوت عن المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك. قال ابن عباس: لا تمار سفيهاً فيؤذيك ولا حليماً فيقليك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة" هذا مع أن تركه مبطلاً واجب، وقد جعل ثواب النفل أعظم لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت على الباطل، وإنما الأجر على قدر النصب. وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة فإنها عين التدابر والتقاطع، فإن التقاطع يقع أولاً بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان. وقال عليه السلام: "لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، وأشد الاحتقار المماراة فإن من رد على غيره كلامه فقد نسبه إلى الجهل والحمق أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه، وكل ذلك استحقار وإيغار للصدر وإيحاش. وفي حديث أبي أمامة الباهلي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب وقال: "ذروا المراء لقلة خيره وذروا المراء فإن نفعه قليل وإنه يهيج العداوة بين الإخوان"، وقال بعض السلف: من لاحى الإخوان وماراهم قلت مروءته وذهبت كرامته. وقال عبد الله بن الحسن: إياك ومماراة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم. وقال بعض السلف: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم، وكثرة المماراة توجب التضييع والقطيعة وتورث العداوة. وقد قال الحسن: لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل. وعلى الجملة؛ فلا باعث على المماراة إلا إظهار التمييز بمزيد العقل والفضل واحتقار المردود عليه بإظهار جهله، وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل، ولا معنى للمعاداة إلا هذا فكيف تضامنه الأخوة والمصافاة؟ فقد روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه"، وقد قال عليه السلام: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق"،والمماراة مضادة لحسن الخلق. وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة والحض على المساعدة إلى حد لم يروا السؤال أصلاً. وقالوا: إذا قلت لأخيك قم فقال إلى أين؟ فلا تصحبه بل قالوا ينبغي أن يقوم ولا يسأل. وقال أبو سليمان الداراني: كان لي أخ بالعراق فكنت أجيئه في النوائب فأقول: أعطني من مالك شيئاً، فكان يلقي إلي كيسه فآخذ منه ما أريد، فجئته ذات يوم فقلت: أحتاج إلى شيء. فقال: كم تريد؟ فخرجت حلاوة إخائه من قلبي. وقال آخر: إذا طلبت من أخيك مالاً فقال: ماذا تصنع به؟ فقد ترك حق الإخاء. واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة. قال أبو عثمان الحيري: موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم، وهو كما قال.[/rtl]
[rtl]الحق الرابع: على اللسان بالنطق: فإن الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضاً النطق بالمحاب، بل هو أخص بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما تراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص عن أذاهم، والسكوت معناه كف الأذى فعليه أن يتودد إليه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يجب أن يتفقد فيها كالسؤال عن عارض إن عرض وإظهار قلبه بسببه واستبطاء العافية عنه، وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها، وجملة أحواله التي يسر بها ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها. فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء، وقد قال عليه السلام:" إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره"، وإنما أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب، فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة، فإذا عرفت أنه أيضاً يحبك زاد حبك لا محالة فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف. والتحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع ومحبوب في الدين، ولذلك علم فيه الطريق فقال: "تهادوا تحابوا"، ومن ذلك أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيابه وحضوره. قال عمر رضي الله عنه: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته أولاً، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه. ومن ذلك أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وصنعته وفعله حتى على عقله وخلقه وهيئته وخطه وشعره وتصنيفه وجميع ما يفرح به وذلك من غير كذب وإفراط، ولكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد منه وآكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح فإن إخفاء ذلك محض الحسد، ومن ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك بل على نيته وإن لم يتم ذلك.[/rtl]
[rtl]قال علي رضي الله عنه:من لم يحمد أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة. وأعظم من ذلك تأثيراً في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض لعرضه بكلام صريح أو تعريض فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة وتبكيت المتعنت وتغليظ القول عليه، والسكوت عن ذلك موغر للصدر ومنفر للقلب وتقصير في حق الأخوة. وإنما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخوين باليد تغسل إحداهما الأخرى لينصر أحدهما الآخر وينوب عنه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يثلمه"، وهذا من الانثلام والخذلان فإن إهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه. فأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك! وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحوم الميتة فقال: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً" والملك الذي يمثله في المنام ما تطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالأمثلة المحسوسة يمثل الغيبة بأكل لحوم الميتة، حتى أن من يرى أنه يأكل لحم ميتة فإنه يغتاب الناس لأن ذلك الملك في تمثيله يراعي المشاركة والمناسبة بين الشيء وبين مثاله في المعنى الذي يجري من المثال مجرى الروح؛ لا في ظاهر الصور. فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة. وقد قال مجاهد: لا تذكر أخاك في غيبته إلا كما تحب أن يذكرك في غيبتك، فإذن لك فيه معياران: أحدهما: أن تقدر أن الذي قيل فيه لو قيل فيك وكان أخوك حاضراً ما الذي كنت تحب أن يقوله أخوك فيك؟ فينبغي أن تعامل المعترض لعرضه به. والثاني: أن تقدر أنه حاضر من وراء جدار يسمع قولك ويظن أنك لا تعرف حضوره؛ فما كان يتحرك في قلبك من النصرة له بمسمع منه ومرأى؟ فينبغي أن يكون في مغيبه كذلك فقد قال بعضهم: ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالساً فقلت فيه ما يحب أن يسمعه لو حضر، وقال آخر: ما ذكر أخ لي إلا تصورت نفسي في صورته فقلت فيه مثل ما أحب أن يقال في. وهذا من صدق الإسلام وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه. وقد نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان فوقف أحدهما يحك جسمه فوقف الآخر؛ فبكى وقال: هكذا الإخوان في الله يعملان لله فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر. وبالموافقة يتم الإخلاص ومن لم يكن مخلصاً في إخائه فهو منافق. والإخلاص استواء الغيب والشهادة واللسان والقلب والسر والعلانية والجماعة والخلوة والاختلاف، والتفاوت في شيء من ذلك مماذقة في المودة وهو دخل في الدين ووليجة في طريق المؤمنين، ومن لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع والعزلة أولى به من المؤاخاة والمصاحبة، فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلا موفق. ولذلك قال عليه السلام: "أبا هر أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً وأحسن مصاحبة صاحبك تكن مؤمناً"، فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة والإسلام جزاء الجوار؟ فالفرق بين فضل الإيمان وفضل الإسلام على حد الفرق بين المشقة في القيام بحق الجوار والقيام بحق الصحبة. فإن الصحبة تقتضي حقوقاً كثيرة في أحوال متقاربة مترادفة على الدوام والجوار لا يقتضي إلا حقوقاً قريبة في أوقات متباعدة لا تدوم. ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، فإن كنت غنياً بالعلم فعليك مؤاساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفع في الدين والدنيا، فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك النصيحة وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه وتخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة لينزجر عنه وتنبهه على عيوبه وتقبح القبيح في عينه وتحسن الحسن، ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد فما كان على الملأ فهو توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة إذ قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن مرآة المؤمن". أي يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه ولو انفرد لم يستفد كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة. وقال الشافعي رضي الله عنه: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. وقيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك؟ فقال: إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم وإن قر عني بين الملأ فلا. وقد صدق، فإن النصح على الملأ فضيحة والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كنفه في ظل ستره فيوقفه على ذنوبه سراً، وقد يدفع كتاب عمله مختوماً إلى الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة، فإذا قاربوا باب الجنة أعطوه الكتاب مختوماً ليقرأه، وأما أهل المقت فينادون على رؤوس الأشهاد وتستنطق جوارحهم بفضائحهم فيزدادون بذلك خزياً وافتضاحاً ونعوذ بالله من الخزي يوم العرض الأكبر. فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء. لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن. قال ذو النون: لا تصحب مع الله إلا بالموافقة، ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة،ولا مع الشيطان إلا بالعداوة. فإن قلت: فإذا كان في النصح ذكر العيوب ففيه إيحاش للقلب فكيف يكون ذلك من حق الأخوة؟ فاعلم أن الإيحاش: إنما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأما تنبيهه على ما لا يعلمه فهو عين الشفقة وهو استمالة القلوب، أعني قلوب العقلاء، وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك، فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك! والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار الله الموقدة، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يستهدي ذلك من إخوانه ويقول: رحم الله امرأً أهدى إلى أخيه عيوبه، ولذلك قال عمر لسلمان وقد قدم عليه: ما الذي بلغك عني مما تكره؟ فاستعفى، فألح عليه فقال: بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل، وبلغني أنك تجمع بين إدامين على مائدة واحدة، فقال عمر رضي الله عنه: أما هذان فقد كفيتهما فهل بلغك غيرهما؟فقال: لا. وكتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط: بلغني أنك بعت دينك بحبتين: وقفت على صاحب لبن فقلت: بكم هذا؟ فقال: بسدس، فقلت له: لا... بثمن! فقال: هو لك، وكان يعرفك. اكشف عن رأسك قناع الغافلين وانتبه عن رقدة الموتى، واعلم أن من قرأ القرآن ولم يستغن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين، وقد وصف الله تعالى الكاذبين ببغضهم للناصحين إذ قال: "ولكن لا تحبون الناصحين" وهذا في عيب هو غافل عنه، فأما ما علمت أنه يعلمه من نفسه فإنما هو مقهور عليه من طبعه فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره وإن كان يخفيه، وإن كان يظهره فلا بد من التلطف في النصح بالتعريض مرة وبالتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى الإيحاش، فإن علمت أن النصح غير مآثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه فالسكوت عنه أولى وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه، أما ما يتعلق بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي عنه، والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء، نعم إن كان بحيث يؤدي استمراره عليه إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل، إذ ينبغي أن يكون قصدك من أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إياه وقيامك بحقه واحتمالك تقصيره لا الاستعانة به والاسترقاق منه.[/rtl]
[rtl]قال أبو بكر الكتاني: صحبني رجل وكان على قلبي ثقيلاً فوهبت له يوماً شيئاً على أن يزول ما في قلبي فلم يزل؛فأخذت بيده يوماً إلى البيت وقلت له: ضع رجلك على خدي، فأبى، فقلت: لا بد، ففعل، فزال ذلك من قلبي. وقال أبو علي الرباطي: صحبت عبد الله الرازي وكان يدخل البادية فقال: على أن تكون أنت الأمير أو أنا؟ فقلت: بل أنت فقال: وعليك الطاعة فقلت: نعم فأخذ مخلاة ووضع فيها الزاد وحملها على ظهره فإذا قلت له أعطني. قال: ألست قلت: أنت الأمير؟ فعليك الطاعة فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه كساء وأنا جالس يمنع عني المطر فكنت أقول مع نفسي: ليتني مت ولم أقل: أنت الأمير.[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 8:47 pm

[rtl]الحق الخامس [/rtl]
[rtl]العفو عن الزلات والهفوات[/rtl]
[rtl]وهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك بتقصيره في الأخوة. أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده ويجمع شمله ويعيد إلى الصلاح والورع حاله. فإن لم تقدر وبقي مصراً فقد اختلفت طرق الصحابة والتابعين في إدامة حق مودته أو مقاطعته. فذهب أبو ذر رضي الله عنه إلى الانقطاع وقال: إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث أحببته، ورأى ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض في الله. وأما أبو الدرداء وجماعة من الصحابة فذهبوا إلى خلافه؛ فقال أبو الدرداء: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى. وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه فإن يرتكبه اليوم ويتركه غداً. وقال أيضاً: لا تحدثوا الناس بزلة العالم فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها. وفي الخبر: "اتقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته". وفي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه وقال: ما فعل أخي؟ قال: ذلك أخو الشيطان قال: مه، قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر. قال: إذا أردت الخروج فآذني فكتب عند خروجه إليه "بسم الله الرحمن الرحيم":"حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب" الآية، ثم عاتبه تحت ذلك وعذله. فلما قرأ الكتاب بكى وقال: صدق الله ونصح لي عمر فتاب ورجع.[/rtl]
[rtl]وحكي أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى فأظهر عليه أخاه وقال: إني قد اعتللت فإن شئت أن لا تعقد على صحبتي لله فافعل، فقال: ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبداً، ثم عقد أخوه بينه وبين الله أن لا يأكل ولا يشرب حتى يتحلل من الغم والجوع حتى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين فأخبره بذلك فأكل وشرب بعد أن كاد يتلف هزالاً وضراً.[/rtl]
[rtl]وكذلك حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره، فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه.[/rtl]
[rtl]وروي في الإسرائيليات أن أخوين عابدين كانا في جبل نزل أحدهما ليشتري من المصر لحماً بدرهم فرأى بغياً عند اللحام فرمقها وعشقها واجتذبها إلى خلوة وواقعها، ثم أقام عندها ثلاثاً واستحيا أن يرجع إلى أخيه حياء من جنايته. قال: فافتقده أخوه واهتم بشأنه فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه وأنكر الآخر أنه يعرفه قط لفرط استحيائه منه فقال: قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصتك وما كنت قط أحب إلي ولا أعز من ساعتك هذه، فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام فانصرف معه. فهذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر رضي الله عنه، وطريقته أحسن وأسلم. فإن قلت: ولم قلت هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء فتجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية؟ فأقول: أما كونه ألطف فلما فيه من الفق والاستمالة والتعطف المفضي إلى الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة، ومهما قوطع وانقطع طمعه عن الصحبة أصر واستمر. وأما كونه أفقه فمن حيث إن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة فإذا انعقدت تأكد الحق ووجب الوفاء بموجب العقد، ومن الوفاء به أن لا يمهل أيام حاجته وفقره وفقر الدين أشد من فقر المال، وقد أصابته جائحة وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه فينبغي أن يراقب ويراعي ولا يهمل، بل لا يزال يتلطف به ليعان على الخلاص من تلك الوقعة التي ألمت به. فالأخوة عدة للنائبات وحوادث الزمان وهذا من أشد النوائب، والفاجر إذا صحب تقياً وهو ينظر إلى خوفه ومداومته فسيرجع على قرب ويستحي من الإصرار بل الكسلان يصطحب الحريص في العمل فيحرص حياء منه. قال جعفر بن سليمان: مهما فترت في العمل نظرت إلى محمد بن واسع وإقباله على الطاعة فيرجع إلي نشاطي في العبادة وفارقني الكسل وعملت عليه أسبوعاً وهذا التحقيق وهو أن الصداقة لحمة كلحمة النسب والقريب لا يجوز أن يهجر بالمعصية، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في عشيرته: "فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون" ولم يقل إني بريء منكم مراعاة لحق القرابة ولحمة النسب. وإلى هذا أشار أبو الدرداء لما قيل له: ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا؟ فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة. ولذلك قيل لحكيم: أيما احب إليك أخوك أو صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقاً لي. وكان الحسن يقول: كم من أخ لم تلده أمك؟ ولذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة والمودة لا تحتاج إلى قرابة، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: مودة يوم صلة ومودة شهر قرابة ومودة سنة رحم مائية من قطعها قطعه الله. فإذن الوفاء بعقد الأخوة إذا سبق انعقادها واجب. وهذا جوابنا عن ابتداء المؤاخاة مع الفاسق فإنه لم يتقدم له حق، فإن تقدمت له قرابة فلا جرم لا ينبغي أن يقاطع بل يجامل. والدليل عليه أن ترك المؤاخاة والصحبة ابتداء ليس مذموماً ولا مكروهاً بل قال قائلون: الانفراد أولى؛ فأما قطع الأخوة عن دوامها فمنهي عنه ومذموم في نفسه ونسبته إلى تركها ابتداء كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح، والطلاق أبغض إلى الله تعالى من ترك النكاح، قال صلى الله عليه وسلم: "شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة"، وقال بعض السلف في ستر زلات الإخوان: ود الشيطان أن يلقى على أخيكم مثل هذا حتى تهجروه وتقطعوه، فماذا اتقيتم من محبة عدوكم. وهذا لأن التفريق بين الأحباب من محاب الشيطان كما أن مقارفة العصيان من محابه؛ فإذا حصل للشيطان أحد غرضيه فلا ينبغي أن يضاف إليه الثاني، وإلى هذا أشار عليه السلام في الذي شتم الرجل الذي أتى فاحشة إذ قال: "مه" وزبره وقال: "لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم"، فبهذا كله يتبين الفرق بين الدوام والابتداء لأن مخالطة الفساق محذورة، ومفارقة الأحباب والإخوان أيضاً محذورة، وليس من سلم عن معارضة غيره كالذي لم يسلم وفي الابتداء قد سلم فرأينا أن المهاجرة والتباعد هو الأولى في الدوام تعارضاً فكان الوفاء بحق الأخوة أولى هذا كله في زلته في دينه. أما زلته في حقه بما يوجب إيحاشه فلا خلاف في أن الأولى العفو والاحتمال بل كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو واجب بحق الأخوة فقد قيل:ينبغي أن تنبسط لزلة أخيك سبعين عذراً فإن لم يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك:ما أقساك يعتذر إليك أخوك سبعين عذراً فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك فإن ظهر بحيث لم يقبل التحسين فينبغي أن لا تغضب إن قدرت ولكن ذلك لا يمكن وقد قال الشافعي رحمه الله:من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان فلا تكن حماراً ولا شيطاناً واسترض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك واحترز أن تكون شيطاناً إن لم تقبل قال الأحنف:حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثاً:ظلم الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة وقال آخر:ما شتمت أحداً قط لأنه إن شتمني كريم فأنا أحق من غفرها له أو لئيم فلا أجعل عرضي له غرضاً ثم تمثل وقال: [/rtl]
[rtl]وأغفر عوراء الكريم ادخاره[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]وأعرض عن شتم اللئيم تكرما[/rtl]
[rtl]وقد قيل: [/rtl]
[rtl]خذ من خليلك ما صفا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ودع الذي فيه الكدر[/rtl]
[rtl]فالعمر أقصر من معا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]تبة الخليل على الغير[/rtl]
[rtl]ومهما اعتذر إليك أخوك كاذباً كان أم صادقاً فاقبل عذره. قال عليه السلام: "من اعتذر إليه أخوه فلم يقبل عذره فعليه مثل إثم صاحب المكس"، وقال عليه السلام: "المؤمن سريع الغضب سريع الرضا"، فلم يصفه بأنه لا يغضب. وكذلك قال الله تعالى: "والكاظمين الغيظ" ولم يقل والفاقدين الغيظ، وهذا لأن العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم، بل تنتهي إلى أن يصير عليه ويحتمل، وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألم بأسباب الغضب طبع القلب، ولا يمكن قلعه ولكن يمكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه، فإنه يقتضي التشفي والانتقام والمكافأة، وترك العمل بمقتضاه ممكن، وقد قال الشاعر: [/rtl]
[rtl]ولست بمستبق أخاً لا تـلـمـه[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]على شعث أي الرجال المهذب[/rtl]
[rtl]قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحوراني: إذا واخيت أحداً في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه، فإنك لا تأمن من أن ترى في جوابك ما هو شر من الأول، فجربته فوجدته كذلك. وقال بعضهم: الصبر على الأخ خير من معاتبته، والمعاتبة خير من القطيعة. وينبغي أن لا يبالغ في البغضة عند الوقيعة. قال تعالى: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم منهم مودة" وقال عليه السلام: "أحبب حبيبك هونناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما"، وقال عمر رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضبك تلفاً، وهو أن تحب تلف صاحبك مع هلاكك.[/rtl]
[rtl]الحق السادس [/rtl]
[rtl]الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته[/rtl]
[rtl]الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به، فتدعو له كما تدعو لنفسك ولا تفرق بين نفسك وبينه، فإن دعاءك له دعاء لنفسك على التحقيق؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل لأخيه فهو في ظهر الغيب قال الملك: ولك مثل ذلك"، وفي لفظ آخر: يقول الله تعالى: "بك أبداً يا عبدي"، وفي الحديث: "يستجاب للرجل في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه"، وفي الحديث "دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب لا ترد" ، وكان أبو الدرداء يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسيمهم بأسمائهم. وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح؟ اهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون بما خلقت، وهو منفرد بحزنك مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى، وكان الأخ الصالح يقتدي بالملائكة، إذ جاء في الخبر: "إذا مات العبد قال الناس: ما خلف؟ وقالت الملائكة: ما قدم؟"، يفرحون له بما قدم ويسألون عنه ويشفقون عليه، ويقال: من بلغه موت أخيه فترحم عليه وأستغفر له كتب له كأنه شهد جنازته وصلى عليه. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء ينتظر دعوة من ولد أو أخ أو قريب"، وأنه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء من الأنوار مثل الجبال. وقال بعض السلف: الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء، فيدخل الملك على الميت ومعه طبق من نور عليه منديل من نور فيقول: هذه هدية لك من أخيك فلان، من عند قريبك فلان، قال: فسيفرح بذلك كما يفرح الحي بالهدية [/rtl]
[rtl]الحق السابع [/rtl]
[rtl]الوفاء والإخلاص[/rtl]
[rtl]ومعنى الوفاء: الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة، فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي، ولذلك قال عليه السلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه"، وقال بعضهم: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة، ولذلك روى أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزاً دخلت عليه، فقيل له في ذلك، فقال: "إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن كرم العهد من الدين"، فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به، ومراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه، فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر، إذ لا يدل على قوة الشفقة والحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من يتعلق به، حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب، ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة شمت به الشيطان، فإنه لا يحسد متعاونين على بر كما يحسد متواخيين في الله ومتحبين فيه فإنه يجهد نفسه لإفساد ما بينهما، قال الله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم" وقال مخبراً عن يوسف: "من بعد إن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي" ويقال: ما تواخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما. وكان بشر يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. وذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم وعون على الدين. ولذلك قال ابن المبارك: ألذ الأشياء مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية، والمودة الدائمة هي التي تكون في الله، وما يكون لغرض يزول بزوال ذلك الغرض. ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع الحسد في دين ودنيا وكيف يحسده وكل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته؟ وبه وصف الله تعالى المحبين في الله فقال: "ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم" ووجود الحاجة هو الحسد. ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه، فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم. قال الشاعر:  [/rtl]
[rtl]إن الكرام إذا ما أيسروا ذكـروا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]من كان يألفهم في المنزل الخشن[/rtl]
[rtl]وأوصى بعض السلف ابنه فقال: يا بني لا يصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك، وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك، وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك. وقال بعض الحكماء: إذا ولي أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك فهو كثير. وحكى الربيع: أن الشافعي رحمه الله آخى رجلاً ببغداد ثم إن أخاه ولى السيبين فتغير له عما كان عليه، فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات: [/rtl]
[rtl]اذهب فودك من فؤادي طالق[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]أبداً وليس طلاق ذات البين[/rtl]
[rtl]فإن ارعويت فإنها تطـلـيقة[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ويدوم ودك لي على ثنتـين[/rtl]
[rtl]وإن امتنعت شفعتها بمثالهـا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]فتكن تطليقين في حيضـين[/rtl]
[rtl]وإذا الثلاث أتتك منـي بـتة[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]لم تغن عنك ولاية السيبـين[/rtl]
[rtl]واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين بل من الوفاء المخالفة، فقد كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه ويقول: ما يقيمني بمصر غيره؛ فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال:  [/rtl]
[rtl]مرض الحبيب فـعـدتـه[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]فمرضت من حذري عليه[/rtl]
[rtl]وأتى الحبـيب يعـودنـي[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]فبرئت من نظري إلـيه[/rtl]
[rtl]وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في علته التي مات فيها رضي الله تعالى عنه: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه؛ فقال الشافعي: سبحان الله أيشك في هذا أبو يعقوب البويطي؟ فانكسر لها محمد ومال أصحابه إلى البويطي مع أن محمداً كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن كان البويطي أفضل وأقرب إلى الزهد والورع. فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ولم يؤثر رضا الخلق على رضا الله تعالى. فلما توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه ودرس كتب مالك رحمه الله، وهو من كبار أصحاب مالك رحمه الله. وآثر البويطي الزهد والخمول ولم يعجبه الجمع والجلوس في الحلقة واشتغل بالعبادة وصنف "كتاب الأم" الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويغرف بع، وإنما صنفه البويطي ولكن لم يذكر نفسه فيه ولم ينسبه إلى نفسه، فزاد الربيع فيه وتصرف وأظهره. والمقصود أن الوفاء بالمحبة من تمامها النصح لله. قال الأحنف: الإخاء جوهرة رقيقة إن لم تحرسها كانت معرضة للآفات فاحرسها بالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير. ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة، نفور الطبع عن أسبابها كما قيل:  [/rtl]
[rtl]وجدت مصيبات الزمان جميعهـا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]سوى فرقة الأحباب هينة الخطب[/rtl]
[rtl]وأنشد ابن عيينة هذا البيت وقال: لقد عهدت أقواماً فارقتهم منذ ثلاثين سنة ما يخيل إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي. ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه لا سيما من يظهر أولاً أنه محب لصديقه. كيلا يتهم. ثم يلقي الكلام عرضاً وينقل عن الصديق ما يوغر القلب، فذلك من دقائق الحيل في التضريب ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً. قال واحد لحكيم: قد جئتك خاطباً لمودتك، قال: إن جعلت مهرها ثلاثاً فعلت، قال: وما هي؟ قال: لا تسمع علي بلاغة ولا تخالفني في أمر ولا توطئني عشوة. ومن الوفاء أن لا يصادق عدو صديقه. قال الشافعي رحمه الله: إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك.[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 9:18 pm

[rtl] الحق الثامن [/rtl]
[rtl]التخفيف وترك التكلف والتكليف[/rtl]
[rtl]وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل بروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه عن أن يحمله شيئاً من أعبائه، فلا يستمد منه من جاه ومال ولا يكلفه التواضع له والتفقد لأحواله والقيام بحقوقه، بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى تبركاً بدعائه واستئناساً بلقائه به على دينه وتقرباً إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته. قال بعضهم: من اقتضى من إخوانه ما لا يقضونه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم، ومن لم يقتض فهو المتفضل عليهم. وقال بعض الحكماء: من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم وأثموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا وتمام التخفيف بطي بساط التكلف حتى لا يستحق منه فيما لا يستحي من نفسه. وقال الجنيد ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلا لعلة في أحدهما. وقال علي عليه السلام: شر الأصدقاء من تكلف لك ومن أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار. وقال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه. وقالت عائشة رضي الله عنها: المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحتشمه. وقال الجنيد: صحبت أربع طبقات من هذه الطائفة. كل طبقة ثلاثون رجلاً. حارثاً المحاسبي وطبقته، وحسناً المسوحي وطبقته، وسرياً السقطي وطبقته، وابن الكريبي وطبقته، فما تواخى اثنان في الله واحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلة في أحدهما. وقيل لبعضهم: من نصحب؟ قال: من يرفع عنك ثقل التكلف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ. وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول: أثقل أخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي. وقال بعض الصوفية: لا تعاشر من الناس إلا من لا يزيده عنده ببر ولا تنقص عنده بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء، وإنما قال هذا لأن به يتخلص عن التكلف والتحفظ. وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفظ منه إذا علم أن ذلك ينقصه عنده. وقال بعضهم: كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ومع العارفين كيف شئت، وقال آخر: لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر عليك إذا أسأت ويحمل عنك مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه. وقائل هذا قد ضيق طريق الأخوة على الناس وليس الأمر كذلك بل ينبغي أن يؤاخي كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشرائط ولا يكلف غيره هذه الشروط حتى تكثر إخوانه، إذ به يكون مؤاخياً في الله وإلا كانت مؤاخاته لحظوظ نفسه فقط. ولذلك قال رجل للجنيد: قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ لي في الله؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثاً، فلما أكثر قال له الجنيد: إن أردت أخاً يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخاً في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك. فسكت الرجل. واعلم أن الناس ثلاثة: رجل تنتفع بصحبته، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرر به ولكن لا تنتفع به. ورجل لا تقدر أيضاً على أن تنفعه وتتضرر به وهو الأحمق أو السيء الخلق فهذا الثالث ينبغي أن تتجنبه، فأما الثاني فلا تجتنبه لأنك تنتفع في الآخرة بشفاعته وبدعائه وبثوابك على القيام به، وقد أوحى الله تعالى إلى موسى عله السلام: إن أطعتني فما أكثر إخوانك أي إن واسيتهم واحتملت منهم ولم تحسدهم. وقد قال بعضهم: صحبت الناس خمسين سنة فما وقع بيني وبينهم خلاف فإني كنت معهم على نفسي ومن كانت هذه شيمته كثر إخوانه. ومن التخفيف وترك التكلف أن لا يعترض في نوافل العبادات. كان طائفة من الصوفية يصطحبون على شرط المساواة بين أربع معان: إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم، وإن صام الدهر كله لم يقل له أفطر، وإن نام الليل كله لم يقل له قم؟وإن صلى الليل كله لم يقل له: نم، وتستوي حالاته عنده بلا مزيد ولا نقصان لأن ذلك إن تفاوت حرك الطبع إلى الرياء والتحفظ لا محالة. وقد قيل: من سقطت كلفته دامت ألفته، من خفت مؤنته دامت مودته. وقال بعض الصحابة: إن الله لعن المتكلفين وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا والأتقياء من أمتي براء من التكلف"، وقال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده، ودخل الخلاء، وصلى. ونام. فذكر ذلك لبعض المشايخ فقال: بقيت خامسة وهو أن يحضر مع الأهل في بيت أخيه ويجامعها، لأن البيت يتخذ للاستخفاء في الأمور الخمس،وإلا فالمساجد أروح لقلوب المتعبدين، فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الإخاء وارتفعت الحشمة وتأكد الانبساط. وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك، إذ يقول أدهم لصاحبه: مرحباً وأهلاً وسهلاً، أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان، ولك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة لك منا، ولك عندنا سهولة في ذلك كله، أي لا يشتد علينا شيء مما تريد. ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ويسيء الظن بنفسه فعند ذلك يكون هو خيراً منهم، وقال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل وكيف ذلك؟ قال: كلهم يرى لي الفضل عليه ومن فضلني على نفسه فهو خير مني، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له"، فهذه أقل الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ. ولذلك قال سفيان: إذا قيل لك يا شر الناس فغضبت فأنت شر الناس أي ينبغي أن تكون معتقداً ذلك في نفسك أبداً. وسيأتي وجه ذلك في كتاب الكبر والعجب. وقد قيل في معنى التواضع ورؤية الفضل للإخوان أبيات:  [/rtl]
[rtl]تذلل لـمـن إن تـذلـلـت لـه[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]يرى ذاك للفضل لا لـلـبـلـه[/rtl]
[rtl]وجـانـب صـداقة مـن لا يزا[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]ل على الأصدقاء يرى الفضل له[/rtl]
[rtl]وقال آخر: [/rtl]
[rtl]كم صديق عرفـتـه بـصـديق[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]صار أحظى من الصديق العتيق[/rtl]
[rtl]ورفـيق رأيتـه فـي طـريق[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]صار عندي هو الصديق الحقيقي[/rtl]
[rtl]ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم. قال صلى الله عليه وسلم: "بحسب المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده، ويقبل إشاراتهم، فقد قال تعالى: "وشاورهم في الأمر" وينبغي أم لا يخفي عنهم شيئاً من أسراره كما روي أن يعقوب ابن أخي معروف قال: جاء أسود بن سالم إلى عمي معروف وكان مؤاخياً له فقال: إن بشر بن الحارث يحب مؤاخاتك وهو يستحي أن يشافهك بذلك، وقد أرسلني إليك يسألك أن تعتقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها إلا أنه يشترط فيها شروطاً: لا يحب أن يشتهر بذلك ولا يكون بينك وبينه مزاورة ولا ملاقاة فإنه يكره كثرة الالتقاء، فقال معروف: أما أنا لو آخيت أحداً لم أحب مفارقته ليلاً ولا نهاراً ولزرته في كل وقت وآثرته على نفسي في كل حال، ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله أحاديث كثيرة، ثم قال فيها. وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه وخصه بذلك لمؤاخاته وأنا أشهدك أني قد عقدت له أخوة بيني وبينه وعقدت إخاءه في الله لرسالتك ولمسألته على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت، ومره أن يلقاني في مواضع نلتقي بها، ومره أن لا يخفي علي شيئاً من شأنه وأن يطلعني على جميع أحواله، فأخبر ابن سالم بشراً بذلك فرضي وسر به. فهذا جامع حقوق الصحبة وقد أجملناه مرة وفصلناه أخرى، ولا يتم ذلك إلا بأن تكون على نفسك للإخوان ولا تكون لنفسك عليهم وأن تزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك.[/rtl]
[rtl]أما البصر؛ فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك، وتنظر إلى محاسنهم وتتعامى عن عيوبهم ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل من جلس إليه نصيباً من وجهه وما استصغاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مسألته وتوجهه للجالس إليه وكان مجلسه مجلس حياء وتواضع وأمانة، وكان عليه السلام أكثر الناس تبسماً وضحكاً في وجوه أصحابه وتعجباً مما يحدثونه به، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء منهم بفعله وتوقيراً له عليه السلام.[/rtl]
[rtl]وأما السمع، فبأن تسمع كلامه متلذذاً بسماعه ومصدقاً به ومظهراً للاستبشار به ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادة ولا منازعة ومداخلة واعتراض فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم وتحرس سمعك عن سماع ما يكرهون.[/rtl]
[rtl]وأما اللسان فقد ذكرنا حقوقه فإن القول فيه يطول ومن ذلك أن لا يرفع صوته عليهم ولا يخاطبهم إلا بما يفقهون.[/rtl]
[rtl]وأما اليدان؛ فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد.[/rtl]
[rtl]وأما الرجلان، فأن يمشي بهما وراءهم مشي الأتباع لا مشي المتبوعين ولا يتقدمهم ما يقدمونه ولا يقرب منهم إلا بقدر ما يقربونه، ويقوم لهم إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم ويقعد متواضعاً حيث يقعد. ومهما تم الاتحاد خف حمله من هذه الحقوق مثل القيام والاعتذار والثناء فإنها من حقوق الصحبة، وفي ضمنها نوع من الأجنبية والتكلف، فإذا تم الاتحاد انطوى بساط التكلف بالكلية فلا يسلك به إلا مسلك نفسه لأن هذه الآداب الظاهرة عنوان آداب الباطن وصفاء القلب. ومهما صفت القلوب استغنى عن تكلف إظهار ما فيها، ومن كان نظره إلى صحبة الخلق فتارة يعوج وتارة يستقيم، ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ظاهراً وباطناً وزين باطنه بالحب لله ولخلقه وزين ظاهره بالعبادة لله والخدمة لعباده فإنها أعلى أنواع الخدمة لله إذ لا وصول إليها إلا بحسن الخلق، ويدرك العبد بحسن خلقه درجة القائم الصائم وزيادة.[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 9:20 pm

[rtl]خاتمة لهذا الكتاب[/rtl]
[rtl]نذكر فيها جملة آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق ملتقطة من كلام بعض الحكماء:  إن أردت حسن العشرة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم، وتوقير من غير كبر، وتواضع من غير مذلة. وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات، وإذا جلست فلا تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال إصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب من وجهك وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها، وليكن مجلسك هادئاً وحديثك منظوماً مرتباً واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ولا تسأله إعادته، واسكت عن المضاحك والحكايات ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك، ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ولا تتبذل تبذل العبد وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن، ولا تلح في الحاجات ولا تشجع أحداً على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم مقدار مالك فإنهم إن رأوه قليلاً هنت عندهم وإن كان كثيراً لم تبلغ قط رضاهم، وخوفهم من غير عنف ولن لهم من غير ضعف ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك، وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة بيديك ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك ولا تجث على ركبتيك، وإذا هدأ غيظك فتكلم وإن قربك سلطان فكن منه على مثل حد السنان فإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهيه ما لم يكن معصية، ولا يحملنك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه وإن كنت لذلك مستحقاً عنده فإن سقطة الداخل بين الملك وبين أهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال، وإياك وصديق العافية فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، وإذا دخلت مجلساً فالأدب فيه البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث اتسع وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس.[/rtl]
[rtl]ولا تجلس على الطريق، فإن جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والارتياد لموضع البصاق، ولا تبصق في جهة القبلة ولا عن يمينك ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى.[/rtl]
[rtl]ولا تجالس الملوك، فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والإعراب في الخطاب، والمذاكرة بأخلاق الملوك وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم. وإن ظهرت لك المودة وإن لا تتجشأ بحضرتهم، ولا تتخلل بعد الأكل عنده، وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم.[/rtl]
[rtl]ولا تجالس العامة، فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم. وإياك أن تمازح لبيباً أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجترئ عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ويسقط ماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المتقون، وهو يميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة ويورث الذلة وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب. وقد قيل: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر. ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك".[/rtl]
[rtl]الباب الثالث [/rtl]
[rtl]في حق المسلم والرحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من يدلي بهذه الأسباب [/rtl]
[rtl]اعلم أن الإنسان إما أن يكون وحده أو مع غيره، وإذا تعذر عيش الإنسان إلا بمخالطة من هو من جنسه لم يكن له بد من تعلم آداب المخالطة. وكل مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقه وحقه على قدر رابطته التي وقعت المخالطة. والرابطة إما القرابة وهي أخصها أو أخوة الإسلام وهي أعمها، وينطوي في معنى الأخوة الصداقة والصحبة، وإما الجوار، وإما صحبة السفر والمكتب والدرس، وإما الصداقة أو الأخوة. ولكل واحد من هذه الروابط درجات. فالقرابة لها حق ولكن حق الرحم المحرم آكد، وللمحرم حق ولكن حق الوالدين آكد. وكذلك حق الجار ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده، ويظهر التفاوت عند النسبة حتى أن البلدي في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن لاختصاصه بحق الجوار في البلد. وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة. وللمعارف درجات فليس حق الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع بل آكد منه والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط. وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها فحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حق صحبة السفر. وكذلك الصداقة تتفاوت فإنها إذا قويت صارت أخوة فإن ازدادت صارت محبة فإن ازدادت صارت خلة، والخليل أقرب من الحبيب؛ فالمحبة، ما تتمكن من حبة القلب والخلة ما تتخلل سر القلب؛ فكل خليل حبيب وليس كل حبيب خليلاً، وتفاوت درجات الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة والتجربة، فأما كون الخلة فوق الأخوة فمعناه أن لفظ الخلة عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة وتعرفه من قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله"، إذ الخليل هو الذي يتخلل الحب جميع أجزاء قلبه ظاهراً وباطناً ويستوعبه ولم يستوعب قلبه عليه السلام سوى حب الله، وقد منعه الخلة عن الاشتراك فيه مع أنه اتخذ علياً رضي الله عنه أخاً فقال: "علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة"، فعدل بعلي عن النبوة كما عدل بأبي بكر عن الخلة، فشارك أبو بكر علياً رضي الله عنهما في الأخوة وزاد عليه بمقاربة الخلة وأهليته لها لو كان للشركة في الخلة مجال، فإنه نبه عليه بقوله: "لاتخذت أبا بكر خليلاً"، وكان صلى الله عليه وسلم حبيب الله وخليله، وقد روي أنه صعد المنبر يوماً مستبشراً فرحاً فقال: "إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فأنا حبيب الله وأنا خليل الله تعالى"، فإذن ليس قبل المعرفة رابطة ولا بعد الخلة درجة، وما سواهما من الدرجات بينهما، وقد ذكرنا حق الصحبة والأخوة ويدخل فيهما ما وراءهما من المحبة والخلة، وإنما تتفاوت الرتب في تلك الحقوق كما سبق بحسب تفاوت المحبة والأخوة، حتى ينتهي أقصاها إلى أن يوجب الإيثار بالنفس والمال، كما آثر أبو بكر رضي الله عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، وكما آثره طلحة ببدنه إذ جعل نفسه وقاية لشخصه العزيز صلى الله عليه وسلم، فنحن الآن نريد أن نذكر حق أخوة الإسلام وحق الرحم وحق الوالدين، وحق الجوار، وحق الملك. أعني ملك اليمين. فإن النكاح قد ذكرنا حقوقه في كتاب آداب النكاح.[/rtl]
[rtl]حقوق المسلم[/rtl]
[rtl]هي: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك ورد جميع ذلك في أخبار وآثار. وقد روي أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أربع من حق المسلمين عليك: أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لمدبرهم، وأن تحب تائبهم"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: "رحماء بينهم" قال:يدعو صالحهم لطالحهم وطالحهم لصالحهم، فإذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير وثبته عليه وانفعنا به، وإذا نظر الصالح إلى الطالح قال: اللهم اهده واغفر له عثرته.[/rtl]
[rtl]ومنها أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه قال النعمان بن البشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل المؤمنين في توادهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر"، وروى أبو موسى عنه صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".ومنها أن لا يؤذي أحداً من المسلمين بفعل ولا قول، قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال صلى الله عله وسلم في حديث طويل يأمر فيه بالفضائل: "فإن لم تقدر فدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدقت بها على نفسك"، وقال أيضاً: "أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من المسلم؟" فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، قالوا: فمن المؤمن؟ قال: "من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم"، قالوا: فمن المهاجر؟ قال: "من هجر السوء واجتنبه"، وقال رجل: يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: "أن يسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك" وقال مجاهد: يسلط على أهل النار الجرب فيحتكون حتى يبدو عظم أحدهم من جلده، فينادي: يا فلان: هل يؤذيك هذا؟ فيقول: نعم، فيقول: هذا بما كنت تؤذي المؤمنين. وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين"، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: يا رسول الله، علمني شيئاً أنتفع به. قال: "اعزل الأذى عن طريق المسلمين" وقال صلى الله عليه وسلم: "من زحزح عن طريق المسلمين شيئاً يؤذيهم كتب الله له به حسنة، ومن كتب الله له حسنة أوجب له بها الجنة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه"، وقال: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يكره أذى المؤمنين"، وقال الربيع بن خيثم: الناس رجلان، مؤمن فلا تؤذه، وجاهل فلا تجاهله.[/rtl]
[rtl]ومنهما أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه، فإن الله لا يحب كل مختال فخور. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد"، ثم إن تفاخر عليه غيره فليحتمل، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" وعن ابن أبي أوفى: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع لكل مسلم ولا يأنف ولا يتكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي حاجته".[/rtl]
[rtl]ومنها: أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات"،وقال الخليل بن أحمد: من نم لك نم عليك ومن أخبرك بخبر غيرك أخبر غيرك بخبرك.[/rtl]
[rtl]ومنها أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام مهما غضب عليه. قال أبو أيوب الأنصاري: قال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من أقال مسلماً عثرته أقاله الله يوم القيامة"، قال عكرمة: قال الله تعالى ليوسف بن يعقوب: بعفوك عن إخواتك رفعت ذكرك في الدارين. قالت عائشة رضي الله عنها: "ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة وما زاد الله رجلاً بعفو إلا عزاً وما من أحد تواضع لله إلا رفعه الله".[/rtl]
[rtl]ومنهما: أن يحسن إلى كل من قدر عليه منهم ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير الأهل. وروى علي بن الحسين عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله"، وعنه بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر"، وفال أبو هريرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحد بيده فينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها ولم تكن ركبته خارجة عن ركبة جليسه ولم يكن أحد يكلمه إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه" ومنها: أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه بل يستأذن ثلاثاً فإن لم يؤذن له انصرف. قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث، فالأولى: يستنصتون، والثانية: يستصلحون، والثالثة: يأذنون أو يردون".ومنها: أن يخالق الجميع بخلق حسن ويعاملهم بحسب طريقته فإنه إن أراد لقاء الجاهل بالعلم والأمي بالفقه والعي بالبيان آذى وتأذى.[/rtl]
[rtl]ومنها: أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان. قال جابر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم"، ومن تمام توقير المشايخ أن لا يتكلم بين أيديهم إلا بالإذن، وقال جابر: قدم وفد جهينة على النبي صلى الله عليه وسلم فقام غلام ليتكلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "مه فأين الكبير؟"، وفي الخبر: "ما وقر شاب شيخاً إلا قيض الله له في سنه من يوقره"، وهذه بشارة بدوام الحياة فليتنبه لها فلا يوفق لتوقير المشايخ إلا من قضى الله له بطول العمر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكون المطر غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً وتغيض الكرام غيضاً ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم"، "والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم". "كان صلى الله عليه وسلم يقدم من السفر فيتلقاه الصبيان فيقف عليهم ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم"، فربما تفاخر الصبيان بعد ذلك فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم، "وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره فربما بال الصبي فيصيح به بعض من يراه فيقول: لا تزرموا الصبي بوله فيدعه حتى يقضي بوله ثم يفرغ من دعائه له وتسميته ويبلغ سرور أهله فيه لئلا يروا أنه تأذى ببوله فإذا انصروا غسل ثوبه".[/rtl]
[rtl]ومنها: أن يكون مع كافة الخلق مستبشراً طلق الوجه رفيقاً قال صلى الله عليه وسلم:" أتدرون على من حرمت النار؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:" على اللين الهين السهل القريب"، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب السهل والطلق الوجه"، وقال بعضهم: "يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، فقال: إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام"، وقال عبد الله بن عمر: إن البر شيء هين؛ وجه طليق وكلام لين، وقال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها"؛ فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام"، وقال معاذ بن جبل: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث ووفاء العهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وخفض الجناح"،وقال أنس رضي الله عنه: "عرضت لنبي الله صلى الله عليه وسلم امرأة وقالت: لي معك حاجة؛ وكان معه ناس من أصحابه، فقال: اجلسي في أي نواحي السكك شئت أجلس إليك، ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها"، وقال وهب بن منبه: إن رجلاً من بني إسرائيل صام سبعين سنة يفطر ي كل سبعة أيام، فسأل الله تعالى أن يريه كيف يغوي الشيطان الناس؟ فلما طال عليه ذلك ولم يجب قال: لو اطلعت على خطيئتي وذنبي بيني وبين ربي لكان خيراً لي من هذا الأمر الذي طلبته، فأرسل الله إليه ملكاً فقال له: إن الله أرسلني إليك وهو يقول لك: إن كلامك هذا الذي تكلمت به أحب إلي مما مضى من عبادتك، وقد فتح الله بصرك فانظر، فنظر فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض وإذا ليس أحد من الناس إلا والشياطين حوله كالذئاب فقال: أي رب من ينجو من هذا؟ قال: الورع اللين.[/rtl]
[rtl]ومنها: أن لا يعد مسلماً بوعد إلا ويفي به. قال صلى الله عليه وسلم: "العدة عطية"، وقال: "العدة دين"، وقال: "ثلاث في المنافق: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ائتمن خان"، وقال:" ثلاث من كن فيه منافق وإن صام وصلى"، وذكر ذلك  ومنها: أن ينصف الناس من نفسه ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن يؤتى إليه، قال صلى الله عليه وسلم:[/rtl]
[rtl]"لا يستكمل العبد الإيمان. حتى يكون فيه ثلاث خصال: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسه، وبذل السلام"، وقال عليه السلام:" من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمناً وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً"، قال الحسن: أوحى الله تعالى إلى آدم صلى الله عليه وسلم بأربع خصال وقال: فيهن جماع الأمر لك ولولدك، واحدة لي وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الخلق، فأما التي لي: تعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فتصحبهم بالذي تحب أن يصحبوك به. [/rtl]
[rtl]وسأل موسى عليه السلام الله تعالى فقال: أي رب أي عبادك أعدل؟ قال: من أنصف من نفسه.[/rtl]
[rtl]ومنها: أن يريد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته فينزل الناس منازلهم. روي أن عائشة رضي الله عنها كانت في سفر فنزلت منزلاً فوضعت طعامها، فجاء سائل فقالت عائشة: ناولوا هذا المسكين قرصاً، ثم مر رجل على دابة فقالت: ادعوه إلى الطعام. فقيل لها: تعطين المسكين وتدعين هذا الغني؟ فقالت: إن الله تعالى أنزل الناس منازل لابد لنا من أن ننزلهم تلك النازل، هذا المسكين يرضى بقرص، وقبيح بنا أن نعطي هذا الغني على هذه الهيئة قرصاً. وروي أنه صلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته فدخل عليه أصحابه حتى غص المجلس وامتلأ؛ فجاء جرير بن عبد الله البجلي فلم يجد مكاناً فقعد على الباب فلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه فألقاه إليه وقال: "اجلس على هذا" فأخذه جرير ووضعه على وجهه وجعل يقبله ويبكي، ثم لفه ورمى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما كنت لأجلس على ثوبك؛ أكرمك الله كما أكرمتني، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً ثم قال: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"، وكذلك كل من له عليه حق قديم فليكرمه. روي أن ظئر رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته جاءت إليه فبسط لها رداءه، ثم قال لها: "اشفعي تشفعي وسلي تعطي" فقالت: قومي. فقال: "أما حقي وحق بني هاشم فهو لك"؛ فقام الناس من كل ناحية وقالوا: وحقنا يا رسول الله. ثم وصلها بعد وأخدمها ووهب لها سهمانه بحنين فبيع ذلك من عثمان رضي الله عنه بمائة ألف درهم، ولربما أتاه من يأتيه وهو على وسادة جالس ولا يكون فيها سعة يجلس معه فينزعها ويضعها تحت الذي يجلس إليه فإن ابي عزم عليه حتى يفعل. ومنها: أن يصلح ذات البين بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلاً. قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟" قالوا: بلى، قال: "إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة"، وقال صلى الله عليه وسلم "أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"، وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحكك؟ قال "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من هذا، فقال الله تعالى: رد على أخيك مظلمته. فقال: يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء، فقال الله تعالى للطالب: كيف تصنع بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء؟ فقال: يا رب فليحمل عني من أوزاري". ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء فقال: "إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم قال : فيقول الله تعالى. - أي للمتظلم - ارفع بصرك فانظر في الجنان فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق أو شهيد؟ قال الله تعالى: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب قد عفوت عنه، فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيراً"، وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب ولا يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فإن الحرب خدعة، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما، أو يكذب لامرأته ليرضيها".ومنها: أن يستر عورات المسلمين كلهم. قال صلى الله عليه وسلم: "من ستر على مسلم ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة"، وقال: "لا يستر عبد عبداً إلا ستره الله يوم القيامة"،وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: "لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة"، وقال صلى الله عليه وسلم لماعز لما أخبره: "لو سترته بثوبك كان خيراً لك"، فإذن على المسلم أن يستر عورة نفسه فحق إسلامه واجب عليه كحق إسلام غيره. قال أبو بكر رضي الله عنه: لو وجدت شارباً لأحببت أن يستره الله، ولو وجدت سارقاً لأحببت أن يستره الله. وروي أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟ قالوا: إنما أنت إمام، فقال علي رضي الله عنه: ليس ذلك لك، إذاً يقام عليك الحد إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم، فقال القوم مقالتهم الأولى، فقال علي رضي الله عنه: مثل مقالته الأولى. وهذا يشير إلى أن عمر رضي الله عنه كان متردداً في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفاَ‎ً بإخباره، ومال رأي علي إلى أنه ليس له ذلك. وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنى، وقد نيط بأربعة من العدول. يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالمردود في المكحلة. وهذا قط لا يتفق. وإن علمه القاضي تحقيقاً لم يكن له أن يكشف عنه. فانظر إلى الحكمة في حسم باب الفاحشة بإيجاب الرجم الذي هو أعظم العقوبات. ثم انظر إلى كثيف ستر الله كيف أسبله على العصاة من خلقه بتضييق الطريق في كشفه؟ فنرجو أن لا نحرم هذا الكرم يوم تبلى السرائر: ففي الحديث: "إن الله ستر على عبد عورته في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة وإن كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها مرة أخرى"، وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: خرجت مع عمر رضي الله عنه ليلة في المدينة فبينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج فانطلقنا نؤمه فلما دنونا منه إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط فأخذ عمر بيدي وقال: أتدري من هذا؟ قلت: لا، فقال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهانا الله عنه. قال الله تعالى: "ولا تجسسوا" فرجع عمر رضي الله عنه وتركهم، وهذا يدل على وجوب الستر وترك التتبع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية: "إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم"، وقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته"، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لو رأيت أحداً على حد من حدود الله تعالى ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري. وقال بعضهم: كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ جاءه رجل بآخر، فقال: هذا نشوان، فقال عبد الله بن مسعود: استنكهوه فاستنكهوه فوجده نشواناً فحبسه حتى ذهب سكره، ثم دعا بسوط فكسر ثمره ثم قال للجلاد: اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه فجلده وعليه قباء أو مرط: فلما فرغ قال للذي جاء به: ما أنت منه؟ قال: عمه، قال عبد الله: ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الحرمة! إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه وإن الله عفو يحب العفو ثم قرأ: "وليعفوا وليصفحوا" ثم قال: "إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطعه فكأنما أسف وجهه، فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت قطعه فقال: "وما يمنعني؟ لا تكونوا عوناً للشياطين على أخيكم؟" فقالوا: ألا عفوت عنه؟ فقال: "إنه ينبغي للسلطان إذا انتهى إليه حد أن يقيمه إن الله عفو يحب العفو" وقرأ: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" وفي رواية فكأنما سفي في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رماد لشدة تغيره. وروى أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور  عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته؟ فقال: وأنت يا أمير المؤمنين فلا تعجل، فإن كنت قد عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثة، قال الله تعالى: "ولا تجسسوا" وقد تجسست، وقال الله تعالى: "وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها" وقد تسورت علي، وقد قال الله تعالى: " لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم" - الآية- ، وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام، فقال عمر رضي الله عنه: هل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم والله يا أمير المؤمنين لئن عفوت عني لا أعود إلى مثلها أبداً فعفا عنه وخرج وتركه. وقال رجل لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: "إن الله ليدني منه المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس فيقول: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم يا رب، حتى إذا قرره بذنوبه فرأى في نفسه أنه قد هلك قال له: يا عبدي لم أسترها عليك في الدنيا إلا وأنا أريد أن أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكافرون والمنافقون: "ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" وقال صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سراً ثم يخبر به، وقال صلى الله عليه وسلم: "من استمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة".[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 9:21 pm

[rtl]ومنها: أن يتقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن العيبة، فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكاً، قال الله تعالى: "ولا يسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم" وقال صلى الله عليه وسلم: "كيف ترون من يسب أبويه؟ فقالوا: وهل من أحد يسب أبويه؟ فقال: نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه"، وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا فلان هذه زوجتي صفية"، فقال: يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، وزاد في رواية: "إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً" وكانا رجلين فقال: "على رسلكما إنها صفية" - الحديث - وكانت قد زارته في العشر الأواخر من رمضان: وقال عمر رضي الله عنه: من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن. ومر برجل يكلم امرأة على ظهر الطريق فعلاه بالدرة فقال: يا أمير المؤمنين، إنها امرأتي فقال: هلا حيث لا يراك أحد من الناس؟.ومنهما: أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة ويسعى في قضاء حاجته بما قدر عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "إني أوتى وأسأل وتطلب إلي الحاجة وأنتم عندي فاشفعوا لتؤجروا ويقضى الله على يدي نبيه ما أحب"، وقال معاوية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا إلي لتؤجروا إني أريد الأمر وأؤخره كي تشفعوا إلي فتؤجروا"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من صدقة أفضل من صدقة اللسان" قيل: وكيف ذلك؟ قال: "الشفاعة يحقن بها الدم وتجر بها المنفعة إلى آخر ويدفع بها المكروه عن آخره"، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث كأني أنظر إليه خلفها وهو يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال صلى الله عليه وسلم للعباس: "ألا تعجب من شدة حب مغيث لبريرة وشدة بغضها له؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعته فإنه أبو ولدك، فقالت: يا رسول الله أتأمرني فأفعل؟ فقال: لا إنما أنا شافع".[/rtl]
[rtl]ومنها: أن يبدأ كل مسلم منهم بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام. قال صلى الله عليه وسلم: "من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه حتى يبدأ بالسلام"، وقال بعضهم: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟". وروى جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها فإن الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته"، وقال أنس رضي الله عنه خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ثمان حجج فقال لي: "يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك وسلم على من لقيته من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت منزلك فسلم على أهل بيتك يكثر خيرك بيتك"، وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسع وستون لأحسنهما بشراً"، وقال تعالى: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" وقال عليه السلام: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على عمل إذا عملتموه تحاببتم؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أفشوا السلام بينكم"، وقال أيضاً: "إذا سلم المسلم فرد عليه صلت عليه الملائكة سبعين مرة" وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تعجب من المسلم يمر على المسلم ولا يسلم عليه"، وقال عليه السلام: "يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم" وقال قتادة: كانت تحية من كان قبلكم السجود فأعطى الله تعالى هذه الأمة السلام وهي تحية أهل الجنة. وكان أبو مسلم الخولاني يمر على قوم فلا يسلم عليهم ويقول: ما يمنعني إلا أني أخشى أن لا يردوا فتلعنهم الملائكة. والمصافحة أيضاً سنة مع السلام، "وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فقال عليه السلام: عشر حسنات، فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون حسنة، فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: ثلاثون"، وكان أنس رضي الله عنه يمر على الصبيان فيسلم عليهم، ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك. وروى عبد الحميد بن بهرام: أنه صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوماً وعصبة من الناس قعود فأومأ بيده بالسلام، وأشار عبد الحميد بيده إلى الحكاية. فقال عليه السلام: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدكم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصافحوا أهل الذمة ولا تبدؤوهم بالسلام فإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطرق".قالت عائشة رضي الله عنها: إن رهطاً من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم" قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال عليه السلام: "يا عائشة إن الله يحب الرفق في كل شيء" قالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟ قال "فقد قلت عليكم" وقال عليه السلام: "يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير"، وقال عليه السلام: "لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالإشارة بالأصابع وتسليم النصارى بالإشارة بالأكف"، قال أبو عيسى: إسناده ضعيف.[/rtl]
[rtl]وقال عليه السلام: "إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الأخيرة"، وقال أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسعة وستون لأحسنهما بشراً"، وقال عمر رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا التقى المسلمان وسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا نزلت بينهما مائة رحمة للبادئ تسعون وللمصافح عشرة"، وقال الحسن: المصافحة تزيد في الود. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تمام تحياتكم المصافحة"، وقال عليه السلام: "قبلة المسلم أخاه المصافحة"،ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركاً به وتوقيراً له. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال: قبلنا يد النبي صلى الله عليه وسلم، وعن كعب بن مالك قال: لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت يده، وروي أن أعرابياً قال: يا رسول الله ائذن لي فأقبل رأسك ويدك قال: فأذن له ففعل، ولقي أبو عبيدة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فصافحه وقبل يده وتنحيا يبكيان. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه ومد يده إليه فصافحه فقال: يا رسول الله ما كنت أرى هذا إلا من أخلاق الأعاجم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما"، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب. أو قال: وأفضل"، والانحناء عند السلام منهي عنه. قال أنس رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض؟ قال: "لا" قال: فيقبل بعضنا بعضاً؟ قال: "لا" قال: فيصافح بعضنا بعضاً؟ قال: "نعم"، والالتزام والتقبيل قد ورد به الخبر عند القدوم من السفر، وقال أبو ذر رضي الله عنه: ما لقيته صلى الله عليه وسلم إلا صافحني، وطلبني يوماً فلم أكن في البيت فلما أخبرت جئت وهو على سرير فالتزمني فكانت أجود وأجود.[/rtl]
[rtl]والأخذ بالركاب في توقير العلماء ورد به الأثر فعل ابن عباس ذلك بركاب زيد بن ثابت، وأخذ عمر يغرز زيد حتى رفعه وقال: هكذا فافعلوا بزيد وأصحاب زيد. والقيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام، قال أنس: ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك، وروي أنه عليه السلام قال مرة: "إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع الأعاجم"، وقال عليه السلام: "من سره أن يمثل له الرجال قياماً ليتبوأ مقعده من النار"، وقال عليه السلام: "لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا"، وكانوا يحترزون عن ذلك لهذا النهي. وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أخذ القوم مجالسهم فإن دعا أحد أخاه فأوسع له فليأته فإنما هي كرامة أكرمه بها أخوه فإن لم يوسع له فلينظر إلى أوسع مكان يجده فيجلس فيه" وروي أنه سلم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يجب، فيكره السلام على من يقضي حاجته، ويكره أن يقول ابتداء: عليك السلام، فإنه قاله رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: "إن عليك السلام تحية الموتى" قالها ثلاثاً،ثم قال: " إذا لقي أحدكم أخاه فليقل: السلام عليكم ورحمة الله" ويستحب للداخل إذا سلم ولم يجد مجلساً إن لا ينصرف بل يقعد وراء الصف. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد إذا أقبل ثلاثة نفر فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس فيها، وأما الثاني فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة. أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا" وسلمت أم هانىء على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذه" فقيل له: أم هانىء، فقال عليه السلام: "مرحباً بأم هانىء".[/rtl]
[rtl]ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر ويرد عنه ويناضل دونه وينصره، فإن ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام. وروى أبو الدرداء: أن رجلاً نال من رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة"، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذكر عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره أذله الله بهما في الدنيا والآخرة، ومن ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله تعالى في الدنيا والآخرة" وقال عليه السلام: من حمى عن عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله تعالى له ملكاً يحميه يوم القيامة من النار"، وقال أبو جابر وأبو طلحة: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ما من امرىء مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتهك فيه عرضه ويستحل حرمته نصره الله في موطن يجب فيه نصره، وما من امرىء خذل مسلماً في موطن ينتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته".[/rtl]
[rtl] ومنها: تشميت العاطس. قال عليه الصلاة والسلام في العاطس: "يقول : الحمد لله على كل حال، ويقول الذي يشمته: يرحمكم الله، ويرد عليه العاطس فيقول: يهدكم الله ويصلح بالكم"، وعن أبن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ويقول: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، فإذا قال ذلك فليقل من عنده: يرحمك الله فإذا قالوا ذلك فليقل: يغفر الله لي ولكم"، وشمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاطساً ولم يشمت آخر فسأله عن ذلك فقال: "إنه حمد الله وأنت سكت"، وقال صلى الله عليه وسلم: "يشمت العاطس المسلم إذا عطس ثلاثاً فإن زاد فهو زكام"، وروي أنه شمت عاطساً ثلاثاً فعطس أخرى فقال إنه مزكوم"، وقال أبو هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس غض صوته واستتر بثوبه أو يده. وروي خمر وجهه. وقال أبو موسى الأشعري: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول: "يهديكم الله"، وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه: أن رجلاً عطس خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يرضى ربنا ويرضى والحمد لله على كل حال، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صاحب الكلمات؟" فقال: أنا يا رسول الله ما أردت بهن إلا خيراً، فقال: "لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من عطس عنده فسبق إلى الحمد لم يشتك خاصرته"، وقال عليه السلام: "العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فمه، فإذا قال:ها ها، فإن الشيطان يضحك من جوفه"، وقال إبراهيم النخعي: إذا عطس في قضاء الحاجة فلا بأس بأن يذكر الله. وقال الحسن: يحمد الله في نفسه. وقال كعب: قال موسى عليه السلام: يا رب أقريب أنت فأناجيك إم بعيد فأناديك؟ فقال: أنا جليس من ذكرني فقال: فإنا نكون على حال نجلك أن نذكرك عليها كالجنابة والغائط، فقال اذكرني على كل حال.[/rtl]
[rtl]ومنها: أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يتحمله ويتقيه قال بعضهم: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر. وقال أبو الدرداء: إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة وهي مع من يخاف سره، قال الله تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن السيئة" قال ابن عباس في معنى قوله: "ويدرؤون بالحسنة السيئة" أي الفحش والأذى بالسلام والمداراة. وقال في قوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض"، قال بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة. وقالت عائشة رضي الله عنها: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو"، فلما دخل ألان له القول حتى حتى ظننت أن له عنده منزلة فلما خرج قلت له: لما دخل قلت الذي قلت، ثم ألنت القول فقال: "يا عائشة إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه"، وفي الخبر: "ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة".[/rtl]
[rtl]وفي الأثر: خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب. وقال محمد بن الحنفية رضي الله عنه: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً حتى يجعل الله له منه فرجاً. ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء ويختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين"، وقال كعب الأحبار: كان سليمان عليه السلام في مكة إذا دخل المسجد فرأى مسكيناً جلس إليه وقال: مسكين جالس مسكيناً. وقيل: ما كان من كلمة تقال لعيسى عليه السلام أحب إليه من أن يقال له يا مسكين. وقال كعب الأحبار: ما في القرآن من: "يا أيها الذين آمنوا" فهو في التوراة "يا أيها المساكين" وقال عبادة بن الصامت: إن للنار سبعة أبواب ثلاثة للأغنياء وثلاثة للنساء وواحد للفقراء والمساكين؛ وقال الفضيل: بلغني أن نبياً من الأنبياء قال: يا رب كيف لي أن أعلم رضاك عني؟ فقال: انظر كيف رضا المساكين عنك. وقال عليه الصلاة والسلام: "وإياكم ومجالسة الموتى"، قيل: ومن الموتى يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء" وقال موسى: إلهي أين أبغيك؟ قال عند المكسرة قلوبهم. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يغبطن فاجراً بنعمة فإنك لا تدري إلى ما يصير بعد الموت فإن من ورائه طالباً حثيثاً"، وأما اليتيم؛ فقال صلى الله عليه وسلم: "من ضم يتيماً من أبوين مسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة البتة"، وقال عليه السلام: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وهو يشير بإصبعيه"، وقال صلى الله عليه وسلم "من وضع يده على رأس يتيم ترحماً كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الاسلام وحقوق الأخوة والصحبة

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 9:27 pm

[rtl]ومنها: النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه، قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يحب للمؤمن كما يحب لنفسه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى فيه شيئاً فليمطه عنه"، وقال صلى الله عليه وسلم: " من قضى حاجة لأخيه فكأنما خدم الله عمره"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة" وقال صلى الله عليه وسلم: "من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين"، وقال عليه السلام: "من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوماً غفر الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة"؛وقال صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فقيل كيف ينصره ظالماً؟ قال: "يمنعه من الظلم"، وقال عليه السلام: "إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن أو أن يفرج عنه غماً أو يقضي عنه ديناً أو يطعمه من جوع"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من حمى مؤمناً من منافق يغنته بعث الله إليه ملكاً يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: الشرك بالله والضر لعباد الله. وخصلتان ليس فوقهما شيء من البر: الإيمان بالله والنفع لعباد الله"، وقال صلى الله عليه وسلم: " من لم يهتم للمسلمين فليس منهم"، وقال معروف الكوخي: من كل يوم: اللهم ارحم أمة محمد كتبه الله من الأبدال. وفي رواية أخرى. اللهم أصلح أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد. كل ثلاث مرات. كتبه الله من الأبدال، وبكى علي بن الفضيل يوماً فقيل له ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله تعالى وسئل عن ظلمه ولم تكن له حجة. ومنها: أن يعود مرضاهم فالمعرفة والإسلام كافيان في إثبات هذا الحق ونيل فضله. وأدب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع. وعند الإستئذان لا يقابل الباب ويدق برفق ولا يقول: أنا إذا قيل له: من، ولا يقول: يا غلام، ولكن يحمد ويسبح، وقال صلى الله عليه وسلم: "تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو وتمام تحياتكم المصافحة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضاً قعد في مخارف الجنة حتى إذا قام وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى الليل" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة فإذا قعد عنده قرت فيه"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا عاد المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى: طبت وطاب ممشاك وتبؤات منزلاً في الجنة"، وقال عليه السلام: "إذا مرض العبد بعث الله تبارك وتعالى إليه ملكين فقال: انظر ماذا يقول لعواده؟ فإن هو إذا جاؤوا حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول: لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدل له لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وأن أكفر عنه سيئاته"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يصب منه"، وقال عثمان رضي الله عنه: مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد من شر ما تجد" قالها مراراً، ودخل عل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو مريض فقال له: "قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك أو صبراً على بليتك أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي إحداهن"، ويستحب للعليل أيضاً أن يقول: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. وقال علي بين أبي طالب رضي الله عنه: إذا شكا أحدكم بطنه فليسأل امرأته شيئاً من صداقها ويشتري به عسلاً ويشربه بماء السماء فيجتمع له الهنيء والمريء والشفاء والمبارك. وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ألا أخبرك بأمر هو حق من تكلم به في أول مضجعه من مرضه بجاه الله من النار"، قلت: بلى يا رسول الله قال: "يقول: لا إله إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت سبحان رب العباد والبلاد والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على كل حال. الله أكبر كبيراً إن كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان. اللهم إن أنت أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم الحسنى وباعدني من النار كما أولياءك الذين سبقت لهم منك الحسنى"، وروي أنه قال عليه السلام: "عيادة المريض بعد ثلاث فواق ناقة"، وقال طاوس: أفضل العيادة أخفها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عيادة المريض مرة سنة فما ازدادت فنافلة، وقال بعضهم: عيادة المريض بعد ثلاث. وقال عليه السلام: "أغبوا في العيادة وأربعوا فيها"، وجملة أدب المريض حسن الصبر وقلة الشكوى والضجر والفزع إلى الدعاء والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء.[/rtl]
[rtl]
ومنها: أن يشيع جنائزهم قال صلى الله عليه وسلم: "من شيع جنازة فله قيراط من الأجر فإن وقف حتى تدفن فله قيراطان"، وفي الخبر "القيراط مثل أحد"، ولما روى أبو هريرة هذا الحديث وسمعه ابن عمر قال: لقد فرطنا إلى الآن في قراريط كثيرة. والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار. وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل لها. وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول: والله لا تقر عيني حتى أعلم إلى ما صرت ولا والله لا أعلم ما دمت حياً. وقال الأعمش: كنا نشهد الجنائز فلا ندري لمن نعزي لحزن القوم كلهم. ونظر إبراهيم الزيات إلى قوم يترحمون على ميت فقال: لو ترحمون أنفسكم لكان أولى. إنه نجا من أهوال ثلاث: وجه ملك الموت قد رأى، ومرارة الموت قد ذاق، وخوف الخاتمة قد أمن. وقال صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله".ومنها: أن يزور قبورهم، والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب، قال صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه"، وقال عمر رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه. فبكى وبكينا، فقال: "وما يبكيكم؟" قلنا: بكينا لبكائك. قال: "هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فأبى علي فأدركني ما يدرك الولد من الرقة"، وكان عمر رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد"، وقال مجاهد: أول ما يكلم لبن آدم حفرته فتقول: أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة. وهذا ما أعددت لك فما أعددت لي؟ وقال أبو ذر: ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري. كان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال: أجلس إلى قوم يذكرونني معادي وإن قمت عنهم لم يغتابوني. وقال حاتم الأصم: من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدعوا لهم فقد خان نفسه وخانهم. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من ليلة إلا وينادي مناد: يا أهل القبور من تغبطون؟ قالوا: نغبط أهل المساجد لأنهم يصومون ولا نصوم ويصلون ولا نصلي ويذكرون ولا نذكره"، وقال سفيان: من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة، ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار. وكان الربيع بن خيثم قد حفر في داره فبراً فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة ثم قال: "رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" ثم يقول: يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع. وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز فلما نظر إلى القبور بكى، وقال: يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلات وأصاب الهوام من أبدانهم؟ ثم بكى وقال: ولالله مل أعلم أحداً أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله؟.
[/rtl]
[rtl]وآداب المعزي: خفض الجناح، وإظهار الحزن، وقلة الحديث، وترك التبسم.[/rtl]
[rtl]وآداب تشييع الجنازة: لزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت، والتفكر في الموت، والاستعداد له، وأن يمشي أمام الجنازة بقربها والإسراع بالجنازة سنة فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق. والجملة الجامعة فيه أن لا تستصغر منهم أحداً حياً كان أو ميتاً فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك؟ فإنه وإن كان فاسقاً فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح؟ ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها. ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين الله. ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك، إلا إذا رأيت منكراً في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم بمقت الله وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم يصلونها، فما لك تحقد عليهم ولا تستكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحداً وربما لا تجده. ولا تشكو إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب وأنى تظفر به؟ ولا تطمع فيما في أيديهم فتستعجل الذل ولا تنال الغرض. ولا تعلو عليهم تكبراً لاستغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء. وإذا سألت أخاً منهم حاجة فهو أخ مستفاد وإن لم يقض فلا تعاتبه فيصير عدواً تطول عليك مقاساته. ولا تشتغل بوعظ من ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك، وليكن وعظك عرضاً واسترسالاً من غير تنصيص على الشخص. ومهما رأيت منهم كرامة وخيراً فاشكر الله الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن يكلك إليهم. وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شراً أو أصابك منهم ما يسوءك فكل أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم. ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ويضيع العمر بشغله. ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي.[/rtl]
[rtl]وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعاً في قلوبهم فالله المحبب والمبغض إلى القلوب، وكن فيهم سميعاً لحقهم أصم عن باطنهم نطوقاً بحقهم صموتاً عن باطنهم. واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير، ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون، يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان، فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان، إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم، ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب، يقطعون بالظنون، ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون، يحصون عليك العثرات في صحبتهم يواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم. ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة، بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه، فإن رضيته في الأحوال فاتخذه أباً لك إن كان كبيراً أو ابناً لك إن كان صغيراً أو أخاك إن كان مثلك فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق.[/rtl]

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى