منتدي شعبان مجاورعلي المحامي ـ أهناسيا ـ بني سويف مصــــــــر
*منتدي شعبان مجاورعلي المحامي يشرفه زيارتكم وتسعده المشاركة*

( تأملات في سورة ق ) للشيخ : ( أبو إسحاق الحويني )

اذهب الى الأسفل

( تأملات في سورة ق ) للشيخ : ( أبو إسحاق الحويني )

مُساهمة من طرف احمدعزوز في الأربعاء 11 يونيو 2014, 9:30 pm

القبر أول منازل الآخرة، فإن كان يسيراً فما بعده أيسر منه، وإن كان عسيراً فما بعده أعسر منه، والمقصود بما بعده هنا: البعث والوقوف بين يدي الله، والحساب والجزاء، وقد جاءت هذه الملامح مفصلة في سورة (ق)، حيث صورت الأحداث والمشاهد كأنها ماثلة أمام الناظر، فبينت صفات أهل الجنة، والأسباب التي بها يدخلون الجنة، وكذلك بينت صفات أهل النار وما ساقهم إليها من أسباب.
معالم القرآن المكي
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم هشام بنت حارثة أنها قالت: ما حفظت سورة (ق) إلا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يقرؤها على المنبر.
وهذه الحفاوة من النبي عليه الصلاة والسلام لهذه السورة لها مغزى، وسورة (ق) من القرآن المكي، والمعاني الرئيسية التي يدور عليها القرآن المكي هي: إثبات التوحيد لله عز وجل، وإثبات صفاته تبارك وتعالى، وذكر القيامة والبعث والجزاء والجنة والنار، وذكر أصناف الناس، ثم ذكر العلة في دخول الداخل النار وفي دخول الداخل الجنة، هذه هي أهم المعاني التي يدور عليها القرآن المكي.
لذلك إذا قرأت القرآن فافتح أذنيك وقلبك؛ لأن الله عز وجل أمرنا بذلك في سورة (ق) أيضاً فقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] فتأمل في قوله: (ألقى السمع).
(ألـقى) فيها معنى الاستسلام، فلو قلت لك: ألق أذنك، أي: لا تخف، إنما سيلقى عليك حق، لأن هذه الأذن ينبغي أن تغربل ما يلقى إليها، فقد يلقى إليها الكذب، فينبغي أن يميز المرءُ، فلا يقال: ألق السمع، إلا والكلام حق، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37] فإذا أصغى المرء بقلبه، انتفع بالقرآن، كما ذكره البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (دخلت المدينة في فداء أسرى بدر -وكان كافراً إذ ذاك- فوافى المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب بالناس، فسمع بعض آياتٍ من سورة الطور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍأَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون [الطور:35-37] قال: فكاد قلبي أن يطير) وهذا رجل كافر، دخل المدينة كافراً، فلما سمع هذه الآيات قال: (فكاد قلبي أن يطير) أن يطير من موضعه؛ لأن ما جاء في هذه الآيات من الأسئلة لا يستطيع منصف على الإطلاق أن يجد لها جواباً على نحو جواب المشركين، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ [الطور:35] ؟ فلا بد لكل صنعةٍ من صانع.
جماعة من الملاحدة أتوا أبا حنيفة رحمه الله يجادلونه في الله تبارك وتعالى: أهو حي؟ أهو موجود؟ فقال لهم: دعوني أتفكر فإني مشغول، قالوا: بم؟ قال: قيل لي: إن سفينةً تمشي في البحر بغير قائد، وتأتي فترسوا على الشاطئ بغير قائد، وتحمل نفسها بالبضائع، وتفرغ البضائع أيضاً بنفسها، فقالوا له: هذا مستحيل!! فقال لهم: (يا نوكى)! -الأنوك: هو الأحمق- إذا كان هذا في سفينة، وأنتم تنكرون أنها تحمل نفسها، وتفرغ نفسها، وتمشي على البحر بغير قائد وترسو بغير قائد، أهذا الكون على ما فيه من الترتيب منذ خلق، ليس له صانع؟!!
فهذا المشرك لما يقال له: قول الله عز وجل: (أم خلقوا)؟ انظر إلى كلمة (أم) هذه، وخزة في هذا الضمير الوثني، تكررت لفظة (أم) هذه أربع عشرة مرة، كلها وراء بعضها، أربع عشرة مرة، تخز في هذا الضمير الوثني، الذي لو وقف وتدبر لحظة لأجاب، ولذلك يقول جبير بن مطعم : (كاد قلبي أن يطير) من وقع الآيات.
 ذكر القيامتين، الصغرى والكبرى
فسورة (ق) من جملة القرآن المكي الذي يخاطب القلب، ذكر ربنا تبارك وتعالى فيه القيامتين: القيامة الصغرى، والقيامة الكبرى، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] هذه هي القيامة الصغرى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:20] وهذه هي القيامة الكبرى، فذكر القيامتين معاً، لكنه تبارك وتعالى نبهنا على داءٍ عظيم، يقع فيه أكثر الناس: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ، يقال: هذا فلان حاد عن الطريق. أي: تركها وسلك بنيات الطريق، أي: ترك الطريق العمومي الواضح وسلك الطرق الفرعية، فيقال له: حاد، أو من ترك سبيل الحجة وكابر وجادل يقال: حاد، أي: انحرف، فربنا عز وجل ينبهنا إلى هذا الداء العظيم؛ وهو عدم ذكر الموت.
هذا الموت الذي كنت منه تحيد، وكنت طول حياتك تهرب منه، ولا تريد أن تذكره، ولا تريد أن تعمل لما بعده، ولو قدر وذكرت الموت في بيتك فإن كل من فيه سيشورون عليك قائلين: اترك الكلام في هذا الموضوع، لماذا نترك الكلام فيه؟ كل المصائب -بلا مبالغة- سببها عدم ذكر الموت.
 حقيقة الزهد
جاء من آثار نشر المذهب الإرجائي في الأمة، أن خطباء المساجد يتلقون توصيات شفوياً في الاجتماعات فيقال للخطيب: لا تكثر من ذكر الموت ولا النار حتى لا ترهق نفسية الناس، ولكن اذكر رحمة الله تبارك وتعالى، واذكر الجنة وما فيها من النعيم، فإن هذا الرجل إذا عرف الجنة كان من الصابرين موقناً أنه سوف يدخل الجنة، وأنه إذا لم يحرز الدنيا فسيحرز الآخرة، وهذا خطأ في وضع العلاج، ويأتي في مقابلهم الذين رفضوا أحاديث الزهد في الدنيا، وقالوا: كيف نقول للمسلمين وهم يعيشون على هامش الحياة: ازهدوا في الدنيا؟ وكيف يملك الكفار الدنيا ونحن نقول للمسلمين: ازهدوا في الدنيا؟ وكأننا نطلق الدنيا ويتزوجها الكافر، لابد أن تكون الدنيا بأيدينا، ويحضون الناس على الدنيا وعلى التجارة وعلى الزراعة وعلى استثمار الأموال، وهذا أيضاً يحتاج إلى تخصيص.
إن النبي صلى الله عليه وسلم لما زهَّد الناس في الدنيا زهَّدهم في فضولها، ولم يزهدهم فيما يجب على المسلم أن يحصل، فمثلاً: لم يزهدهم في الإنفاق على الأولاد. حيث قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتاً) ، وفي اللفظ الآخر لـأبي داود : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) .
استرعاك الله عز وجل رعية: زوجة وأولاداً وأباً وأماً، فيجب عليك أن تنفق عليهم، فإذا قصر الرجل في النفقة على أهله وعلى أولاده فإنه يؤاخذ عند الله يوم القيامة، فعليه أن يجتهد، حتى لو كان العائد قليلاً، وهذا المفهوم لا يتطابق مع ما جاء في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التكالب على فضول الدنيا، وأكثر الناس لا يسعون في الواجبات، بل يسعون في الفضول، فيريد أن يحصل أموالاً أكثر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) يعني: إذا وجدوا الغداء لا يكون عندهم العشاء، وإذا كان عندهم العشاء لا يكون عندهم الإفطار، هذا هو القوت.
وإنما كان يقول ذلك حتى يعتمد بقلبه على الله، فالذي ليس عنده العشاء يقول: يا رب! ، لكن كثيراً من الناس الذين معهم أموال لا يقولون: يا رب؛ استغناء عن دعائه تعالى، (فالشيك) في جيبه، والفلوس في (البنك)، متى احتاج المال ذهب إلى (البنك) ليصرفه، بخلاف الفقير، الذي يذكر الله عز وجل عن حاجة، فهذا هو الذي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه؛ أن تكون الدنيا في قلبك، وقال عليه الصلاة والسلام: (والله ما الفقر أخشى عليكم، إنما أخشى أن تبسط الدنيا فتنافسوها، فتهلككم كما أهلكت من سبقكم) .
وأنت تجد الفقراء متحابين ليس بينهم خصومات؛ لا في الأموال، ولا في أعراض الدنيا، ففيهم راحة القلب، فكلما استراح القلب فقه عن الله عز وجل كلامه، فالذي يعين المرء على التخلص من الدنيا ذكر الموت، قال علي بن أبي طالب : ( ما كان الموت في ضيق إلا وسعه، ولا في واسع إلا ضيقه ).

احمدعزوز
عضوذهبي
عضوذهبي

عدد المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 25/05/2014

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى