منتدي شعبان مجاورعلي المحامي ـ أهناسيا ـ بني سويف مصــــــــر
*منتدي شعبان مجاورعلي المحامي يشرفه زيارتكم وتسعده المشاركة*

بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

مُساهمة من طرف شعبان مجاورعلي المحامي في الأحد 10 أغسطس 2014, 5:47 pm

 
المقدمة
 
أن التطور السريع الذي يشهده العالم الآن على الصعيدين العلمي والعملي , كشف عن تطور هائل بوتيرة متسارعة نحو أساليب جديدة في ارتكاب جرائم الاحتيال و السرقة هذا إذا أخذنا بنضر الاعتبار الصور المتنوعة للقيم المنقولة التي يمكن أن تكون محلا لجريمة السرقة والجرائم الملحقة بها .
والتيار الكهربائي هو من المصالح التي اتفق مشرعي القانون الجنائي في القوانين المقارنة بأنها جديرة بالحماية الجنائية(1) إلا إنهم اختلفوا في الطبيعة القانونية للسلوك الإجرامي المتمثل بفعل التعدي على التيار الكهربائي , إذ إنهم يتفقون حول كون التيار الكهربائي مالا منقول قابلا بطبيعته إلى التملك و إلى النقل من مكان إلى مكان أخر, حتى إن بعض القوانين العقابية لبعض الدول عمد المشرع الجنائي فيها إلى أن يضع نصوص عقابية خاصة تجرم فعل الاعتداء على التيار الكهربائي (2) , إما الخلاف الفقهي حول عدم إمكانية إدخال التيار الكهربائي في مدلول المال المادي فقد هجر بعد إن توصل العلماء إلى تحديد طبيعته , حيث اثبتوا إن التيار الكهربائي  ينتج عن تجميع قوى طبيعية, فهو عبارة عن الكترونيات أو ذرات صغيرة تنتقل عبر الأسلاك من مكان إلى أخر , وعليه فأن التيار الكهربائي وفق ما تقدم  شيء مادي ملموس يمكن أن يدخل في إطار الحيازة المادية وبالتالي محلا لفعل الاختلاس المجرم قانونا , وهذا ما استقره إليه القضاء في مصر(3) . وللمزيد من التوضيح حول كون التيار الكهربائي من قبيل المال المنقول يمكن أن نرجع إلى ما ورد في فقه القانون المدني من تعريف للأموال بصورة عامة وللمال المنقول بوجه خاص , إن المراد بالمال من وجهة نضر الأخير هو كل حق له قيمة مادية , وان كل شيء لا يخرج بحسب طبيعته أو بحكم القانون عن التعامل يصح أن يكون محلا للحقوق المالية وأما الأشياء التي تخرج عن التعامل بحكم طبيعتها فهي تلك التي لا يستطيع احد أن يستأثر بحيازتها والأشياء التي تخرج عن التعامل بحكم القانون هي تلك الحقوق التي ينص القانون صراحة على عدم صلاحيتها لكي تكون محلا للحقوق المالية , وأخيرا وليس أخرا يراد بالمال المنقول هو كل شيء يمكن نقله وتحويله دون تلف فيشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلات والموزونات وغير ذلك من الأشياء التي يمكن أن يتم نقلها من مكان إلى أخر دون أن تصاب بالتلف  وهذا حال التيار الكهربائي بلا شك , كما ثبت بالإضافة إلى ما تقدم و من خلال التعامل بالتيار الكهربائي انه من قبيل المكيلات التي تقاس بوحدات الكيلواط وانه من قبيل الأموال المثلية والتي يراد بها تلك الأموال التي يمكن أن يقوم بعضها مقام البعض الأخر عند الوفاء وتقدر عادة بالعدد أو المقياس أو الكيل أو الوزن , و ألآن لا يمكن أن يكون هنالك شك حول الطبيعة المالية المنقولة للتيار الكهربائي وبخلاف ما تم ذكره ماذا عسى أن يكون التيار الكهربائي ؟ (4)
  مشكلة البحث :
يرى الباحث إن السلوك الإجرامي في جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي يحتاج إلى بيان تفاصيله التي تتعدد بتعدد الوسائل التي ترتكب بها هذه الجريمة , فالجاني عادة يلجأ إلى أكثر من وسيلة غش والتي سيتطرق لها الباحث تفصيلا فيما يتقدم محاولا أن يبين الطبيعة القانونية لكل منها مع الإشارة إلى موقف المشرع العراقي على وجه الخصوص وموقف المشرع في التشريعات المقارنة بشكل عام .  
خطة البحث :
تناول الباحث موضوع جريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في مبحثين , تناول في المبحث الأول طرق الاحتيال في فعل التعدي على التيار الكهربائي في ثلاث مطالب تناول في المطلب الأول الركن المادي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي وفي المطلب الثاني تناول الركن المعنوي لهذه الجريمة أما المطلب الثالث فقد خصصه الباحث لبيان الركن الشرعي لجريمة الاحتيال في فعل التعدي على التيار الكهربائي في التشريعات المقارنة .
أما المبحث الثاني فقد تناول فيه الباحث جريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في القانون العراقي وفي ثلاث مطالب أيضا , في المطلب الأول بين فيه موقف المشرع العراقي من الركن المادي لجريمة الاحتيال  في فعل التعدي على التيار الكهربائي وفي المطلب الثاني بين الباحث فيه ألركن المعنوي لهذه الجريمة موضوع البحث تاركا بيان الركن الشرعي للجريمة في المبحث الثالث . إن السلوك الإجرامي الذي يشكل جريمة التعدي على التيار الكهربائي يتخذ صورا متعددة باختلاف الوسائل التي ترتكب بها هذه الجريمة , فقد يشكل الفعل جريمة احتيال متى ما قام الجاني باستخدام بعض الأكاذيب المدعمة بمظاهر خارجية للحصول على التيار الكهربائي الهدف منها إيهام المجني عليه بإحدى الصور التي حددها المشرع الجنائي على سبيل     الحصر(5) , وقد يتخذ الجاني السلوك العادي الذي يستطيع من خلاله الحصول على التيار الكهربائي بغير رضاء المجني عليه فيشكل فعله اختلاس لمنقول مملوك للغير والذي يكون في اغلب الأحيان (مصلحة الكهرباء ) فيكون الفعل هنا جريمة سرقة , أما إذا كان الجاني قد تسلم المال المنقول والمقصود به هنا (التيار الكهربائي) على سبيل الأمانة فعمد بعد ذلك إلى تبديده أو اختلاسه لمنفعته الشخصية نكون أمام جريمة خيانة أمانة . و يرى الباحث أن يبين الطبيعة القانونية للطرق الاحتيالية في التعدي على التيار الكهربائي في هذا البحث كونها واحدة من صور أفعال التعدي على التيار الكهربائي   .
 
 
المبحث الأول :  الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في التشريعات المقارنة
عمد المشرع الجنائي في معظم التشريعات الجنائية إلى إيراد الوسائل التي تشكل السلوك     الإجرامي (الركن المادي) المكون لجريمة الاحتيال على سبيل الحصر والتي من خلالها يستطيع الجاني تسلم أو نقل حيازة المال المنقول المملوك للغير والذي هو محل جريمة الاحتيال. ويرى الباحث هنا إن المشرع الجنائي كان موفقا في حصر الوسائل التي ترتكب بها جريمة الاحتيال ولعل الغاية التي كان يرغب المشرع تحقيقها هي تحديد نطاق الاحتيال بحيث لا تنصرف الحماية الجنائية التي أرادها المشرع هنا إلا على الأفعال التي تشكل خطورة على ملكية المنقول , وهذه الأخيرة هي المصلحة التي يتوخى المشرع توفير الحماية الجنائية لها ,إن كل من جريمة الاحتيال والسرقة وخيانة الأمانة يكون فيها محل الاعتداء واحد والمتمثل بالمال المنقول المملوك للغير , والاحتيال يتفق مع جريمة السرقة من حيث إن الجاني تنصرف إرادته إلى نية التملك لهذا المال المنقول وإخراجه من ملكية صاحبه إلا إن المجني عليه في جريمة الاحتيال ينقل ملكية المنقول إلى الجاني برضاه باستخدام إحدى الوسائل التي نص عليها المشرع حصرا, وهذا على خلاف ما هو عليه الحال في جريمة السرقة حيث إن الجاني يخرج المال المنقول من ملكية المجني عليه دون رضاه (6) .
 
المطلب الأول : الركن المادي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي
الفرع الأول : السلوك ألجرمي
ينحصر النشاط الإجرامي لجريمة الاحتيال في ثلاث عناصر وهي
الأول :استعمال طرق احتيالية
الثاني : التصرف في مال غير مملوك للجاني وليس له حق التصرف فيه .
الثالث : اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة .
وعليه فأن جريمة الاحتيال لا يخرج السلوك الإجرامي المكون لها عن هذه العناصر الثلاث فبدون واحدة منها لا يمكن أن تقع جريمة الاحتيال .وبقدر تعلق الأمر بفعل التعدي على التيار الكهربائي فمن الواضح إن العنصر الأول والمتمثل بالطرق الاحتيالية يكون أكثر وضوحا من بقية العناصر, وعلى الرغم من إن المشرع في معظم التشريعات الجنائية لم يعرف الطرق الاحتيالية (7)  ولكن يمكن تعريفها استنادا إلى ما ورد في السابقات القضائية بأنها (أكاذيب مدعمة بمظاهر خارجية تهدف إلى إيهام المجني عليه بأمر من الأمور التي نص عليها القانون على سبيل الحصر )(Cool .
والتجريم هنا لا ينصرف إلى مجرد حماية حق التملك  فالمشرع إنما أراد التوسيع من نطاق المصلحة المحمية قانونا ألا وهي إلى جانب الحق في الملكية فهناك مصلحة أخرى وهي حرية الإرادة وسلامتها , فالمجني عليه(9) يكون قد شاب إرادته عيب ظاهر تكونت لديه نتيجتها عقيدة مخالفة للحقيقة والتي أدت بالنتيجة إلى قيامه بتسليم المال بإرادته المعيبة إلى الجاني(10)  .
إن المشرع الجنائي في التشريعات المقارنة بالرغم من عدم قيامه  بتعريف الطرق الاحتيالية إلا انه ذهب إلى تحديد هذه الطرق من حيث نوعها وأغراضها , فمن حيث النوع يرى المشرع ضرورة أن يكون الجاني قد اخرج الطرق الاحتيالية إلى الوجود المادي عبر وسائل خارجية مثل الكذب والتدليس وغيرها , أما الغرض الذي يتوخاه الجاني من استعمال هذه الطرق هو إيهام الناس بوجود واقعة غير حقيقية أو إخفاء واقعة موجودة أو تشويه حقيقتها أو استعمال هذه الطرق لإيهام المجني عليه بوجود مشروع غير حقيقي أو تغير حقيقة هذا المشروع أو إخفاء وجوده أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي , أو إيهام الناس بوجود سند لدين لا وجود له أصلا أو إخفاء سند دين حقيقي (11) .
لقد أشار الباحث فيما سبق إن جريمة الاحتيال بقدر تعلق الأمر بفعل التعدي على التيار الكهربائي يمكن أن ترتكب في اغلب الأحيان بالوسائل الاحتيالية وهي العنصر الأول في هذه الجريمة إلا إن ذلك لا يمنع أن يرتكب فعل التعدي هذا  بالعناصر الأخرى لهذه الجريمة وهذا ما سيبنه الباحث فيما يتقدم .
أولا : استعمال الطرق الاحتيالية للتعدي على التيار الكهربائي :
يذهب المشرع الجنائي في التشريعات المقارنة إلى تحديد عناصر الطرق الاحتيالية (12)وبالتفصيل التالي :
1 - توافر الكذب :
إن الكذب هو العنصر الأول في جرائم الاحتيال إذا لم نقل إن القاعدة العامة في السلوك الإجرامي المكون لجريمة الاحتيال لا يمكن إن يخلو من الكذب , والمراد بالكذب هنا هو الادعاء بوجود واقعة غير حقيقية سواء أكان الكذب قد ظهر إلى الوجود المادي عن طريق القول أو الكتابة أو حتى بالإشارة طالما كان من شأن هذا التصرف إن يوقع المجني عليه  بالغلط (13) .
ولا يشترط أن يكون هذا الادعاء كله كذبا , بل يكفي أن يكون جزأ منه قائم على الكذب إذا كان من شأن هذا الجزء إيهام المجني عليه وإيقاعه في الغلط , أما أذا كان الادعاء حقيقي فلا تقوم جريمة الاحتيال ولو ترتب على ذلك الادعاء تسليم المجني عليه المال وكان من شأن ذلك التسليم أن يلحق الضرر به (14) .
إن الضابط في معرفة ما إذا كان الكذب كافي لقيام جريمة الاحتيال هو بالرجوع إلى الواقعة التي يدعي الجاني قيامها وما إذا كانت تكفي لوحدها في دفع المجني عليه تسليم المال المنقول , دون الاعتداد بالقناعة الشخصية للمجني عليه أو ما إذا كان الكذب يتناول الواقعة بأكملها أو جزء منها أو ما إذا كانت الواقعة لها وجود في الماضي إلا أنها لم تعد حقيقية في الوقت الذي قامت به الجريمة , فجريمة الاحتيال قائمة في أفعال التعدي على التيار الكهربائي  في الفرضيات التالي ذكرها :
1 –  قيام الجاني بالادعاء كذبا إمام الموظف المعني بالجباية التابع لمصلحة الكهرباء بأنه لم يكن يعلم بأن عداد التيار الكهربائي معطلا طيلة الفترة التي تسبق جباية القائمة المالية لخدمة التيار الكهربائي.
2 –  قيام الجاني بالادعاء كذبا أمام مصلحة الكهرباء بأنه لم ينذر من قبل بتسديد قائمة الكهرباء إلا لمرة واحدة وهذا لا يكفي لقطع التيار الكهربائي عنه في الوقت الذي يكون فيه الواقع إن الجاني قد تم إنذاره لأكثر من مرة بوجوب تسديد قائمة التيار الكهربائي من قبل مصلحة الكهرباء .
3 -  قيام الجاني بالادعاء كذبا أمام مصلحة الكهرباء بأن الدين الموجود في قائمة الكهرباء التي سلمت إليه كان قد سددها من قبل إلى الموظف المعني بالجباية .
2 – المظهر الخارجي للكذب :
إذا كان الادعاء الكاذب قاصرا على الأقوال المجردة فأن ذلك لا يكون كافيا لقيام جريمة الاحتيال حتى ولو حاول الجاني جاهدا أن يؤكد للمجني عليه صحة ادعائه بالحلف أو غير ذلك من الأقوال الأخرى التي من شأنها أن تجعل المجني عليه يصدق ادعائه , فالمظهر الخارجي هو ما يحيل الادعاء الكاذب إلى حقيقة من وجهت نضر المجني عليه (15) .
إن المظهر الخارجي للكذب يتمثل بالوسائل التي يلجأ إليها الجاني من اجل إقناع المجني عليه بالمزاعم التي يدعيها الجاني كذبا , أما إذا كان المجني عليه قد صدق الجاني لمجرد الأقوال الكاذبة التي ادعاها الجاني أمامه دون وجود للمظاهر الخارجية فأن المجني عليه في هذه الحالة  لا تشمله الحماية الجنائية , فهذه الأخيرة إنما تفترض مقدما إن المجني عليه قد اتخذ من الحيطة اللازمة ما يكفي للحيلولة دون وقوعه بالغلط وابسط واجبات هذه الحيطة أن لا يصدق الأقوال المجردة إلا بعد أن يتبين صحتها وبالأخص أذا كانت هذه الأقوال يترتب عليها تسليم أمواله المنقولة إلى شخص أخر , كما إن المظهر الخارجي للكذب يكشف عن الخطورة الإجرامية للجاني إذ انه يلجأ إلى شتى الوسائل للمضي قدما بمشروعه الإجرامي وهذا ينطوي على تهديد للمصلحة الاجتماعية والتي تكون جديرة بالحماية الجنائية(16).
والمشرع الجنائي في التشريعات المقارنة لم يحدد صور المظاهر الخارجية (17) إلا انه يمكن أن تذكر بعض صور هذه المظاهر على سبيل المثال لا الحصر وهي :
أ – الاستعانة بالغير (شخص آخر) :
في الأعم الأغلب يلجأ الجاني إلى شخص ثالث في محاولة منه لتدعيم مزاعمه الكاذبة , وهنا فأن الجاني يلجأ إلى الشخص الذي تدل الظروف الخارجية على انه محايد وغير ذي مصلحة .
إن تدخل هذا الشخص الثالث يعتبر من الأعمال الخارجية التي تساعد في إيقاع المجني عليه بالغلط شريطة أن يكون الجاني قد سعى ودبر لإدخال هذا الشخص الثالث في سبيل  تأييد ادعائه الكاذب , أما إذا كان تدخل هذا الأخير من تلقاء نفسه دون إن يكون هنالك اتفاق مسبق أو دون أن يكون هنالك طلب من الجاني فلا يعد هذا التدخل من الأعمال الخارجية وهذا من البديهيات إذ إن القانون لا يعاقب إلا عن التصرفات الإرادية , ويستوي لإعمال النص الجنائي هنا أن يكون هذا الشخص الثالث شخص واحد أو مجموعة أشخاص ويعد هذا التدخل عنصر مستقل عن الأقوال الكاذبة التي تصدر من الجاني والتي تكون قد سبقت عملية التدخل هذه .
ويشترط لكي يكون تدخل الغير من قبيل الأعمال الخارجية أن يكون هذا الغير قد أيد أقوال الجاني وأكاذيبه , ولا يهم هنا أن يكون هذا التأييد شفهيا بالقول المجرد أو تحريريا أو يتخذ صورة سلوك مادي أخر بل يذهب القضاء الجنائي إلى ابعد من ذلك فيعتبر مجرد الحضور ا و حتى لو لم يكون لهذا الغير وجود حقيقي أي أن يكون وجوده  وهمي فهذا كافي لعده من قبيل الأعمال الخارجية (18).
ولا يؤثر في تكييف السلوك ألجرمي للجاني كونه من قبيل الأعمال الخارجية التي تشكل الركن المادي لجريمة الاحتيال  إذا كان هذا الغير الذي تدخل في فعله لإيهام المجني عليه وتدعيم أقوال الجاني الكاذبة حسن النية أي انه لم يكن يعلم بأن الأقوال أو الواقعة التي يؤيدها ويدعمها كاذبة أو غير حقيقية , أما أذا كان هذا الغير يعلم بمقاصد الجاني الآثمة وعلى الرغم من ذلك تتجه إرادته إلى تدعيم الجاني في إرادته هذه وتضليل المجني عليه, فأن سلوك الغير هذا في الوقت الذي يجعل سلوك الجاني يصل إلى مرتبة الأعمال الخارجية لجريمة الاحتيال , فأنه في ذات الوقت يشكل سلوكه مساهمة أصلية أو تبعية في جريمة الاحتيال(19) .
ويرى الباحث هنا ضرورة العودة إلى الفروض السابق ذكرها لفعل التعدي على التيار الكهربائي ليضيف إليها الأعمال الخارجية والمتمثلة هنا بالاستعانة بالغير والتي يمكن أن ترفع من الخطورة الإجرامية للأقوال الكاذبة المجردة الصادرة عن الجاني إلى ما يمكن أن يدخلها في إطار النص ألجرمي المعاقب عليها قانونا وبالشكل التالي ذكره .
1 -  قيام الجاني بالادعاء كذبا إمام الموظف المعني بالجباية التابع لمصلحة الكهرباء بأنه لم يكن يعلم بأن عداد التيار الكهربائي معطلا طيلة الفترة التي تسبق جباية القائمة المالية لخدمة التيار الكهربائي , مستعينا بشهادة الموظف السابق والمعني بالجباية طيلة الفترة السابقة والذي أيد ادعائه الكاذب وكون العداد لم يكن معطل في المعاينة السابقة .
2 -  قيام الجاني بالادعاء كذبا أمام مصلحة الكهرباء بأنه لم ينذر من قبل بتسديد قائمة الكهرباء إلا لمرة واحدة وهذا لا يكفي لقطع التيار الكهربائي عنه في الوقت الذي يكون فيه الواقع إن الجاني قد تم إنذاره لأكثر من مرة بوجوب تسديد قائمة التيار الكهربائي من قبل مصلحة الكهرباء مستعينا بشهادة جاره والتي تؤيد زورا كون المنزل لم يكن مسكون وكان فارغا طيلة الفترة التي سبقت قطع التيار الكهربائي عنه .
3 -  قيام الجاني بالادعاء كذبا أمام مصلحة الكهرباء بأن الدين الموجود في قائمة الكهرباء التي سلمت إليه كان قد سددها من قبل إلى الموظف المعني بالجباية  مستعينا بشهادة من يسكن معه في المنزل والذين يؤيدون مزاعمه الكاذبة هذه(20) .
ب –الاستعانة بأعمال أو أشياء مادية :
قد يلجأ الجاني في جريمة الاحتيال إلى الاستعانة بأشياء مادية أو قد يقوم بمباشرة بعض الأعمال وفي الحالتين يكون غرض الجاني من هذا تدعيم أقواله الكاذبة وحمل المجني عليه على تصديقه , وهنا فأن الجاني لا يستعين بإنسان آخر وإنما إلى مباشرة عمل ما أو الاستشهاد بشيء ذا وجود مادي يصلح لان يكون قرينة أو دليل على صحة ادعائه  .
وهنا يشترط أن تكون هذه الأعمال أو هذه الأشياء منفصلة ومستقلة من حيث الوجود المادي عن الأقوال الكاذبة التي يدعيها الجاني فمجرد الحركات أو الإيماءات التي يمكن أن يقوم بها الجاني والتي تتصل بكيانه المادي و العضوي  لا تعد من قبيل هذه الأشياء أو الأعمال فهذه الأعمال لا تخرج عن وصفها وسيلة من وسائل التعبير شأنها شأن الأقوال الشفوية (21) .
وللمزيد من التوضيح في إطار البحث عن فعل التعدي على التيار الكهربائي يضرب الباحث مثالا في قيام الجاني بالعبث بعداد الكهرباء لتغير الرقم الحقيقي الذي سجله العداد إلى رقم اقل , في محاولة منه لإنقاص المبلغ المستحق عليه ثمنا للتيار الكهربائي التي استهلكها أي بمعنى إن الجاني قام بتغير المبلغ الحقيقي المستحق عليه ثمنا للتيار الكهربائي بعد أن تم تسجيله في العداد فتحقق في فعله الغش والتدليس والتلاعب الكافي لإثبات جريمة الاحتيال (22).
إن من أهم صور الأعمال والأشياء المادية التي يمكن للجاني الاستعانة بها في إطار البحث عن السلوك الإجرامي المكون لجريمة الاحتيال في سبيل التعدي على التيار الكهربائي يمكن أن نوردها وفق التفصيل التالي :
* – الاستعانة بمظاهر مادية :
وقد يستعين الجاني في سبيل تأييد ادعاءاته الكاذبة ببعض المظاهر الخارجية ومثال ذلك أن يقوم الجاني بحرق العداد قبل أيام من قدوم الموظف المختص بالجباية وقد ضاعت معالم الأرقام التي يتم من خلالها معرفة المقدار المالي للتيار الكهربائي الذي تم استهلاكه خلال الفترة الزمنية التي تسبق تاريخ الجباية  , مدعيا أمام المعني بالجباية بأن العداد قد تعرض لتماس كهربائي أدى إلى صيرورته بالحالة التي انتهى إليها(23) .
* – استغلال الجاني ظروف قائمة :
والمقصود بالظرف القائم إن الجاني في هذه الحالة لم يكن له دخل في إيجاد هذا الظرف بل يعود سبب وجوده إلى أسباب أجنبية لا دخل لسلوك الجاني فيها , إلا أن الجاني يتعمد إلى استغلال هذه الظروف بما يخدم الهدف الذي يسعى إليه والمتمثل بإيهام المجني عليه وإيقاعه في الغلط من اجل الحصول على ماله المنقول(24) .
وهذه الظروف قد تكون ظروف مادية كظرف الزمان والمكان وهنا يذكر الباحث مثالا في أن يقوم الجاني باستغلال خلو المنزل المجاور لداره من أهله المسافرين فيقوم بإيصال سلك الكهرباء إلى دار جاره لأجل تغذية داره بالتيار الكهربائي طيلة فترة غيابهم عنه أو قيام الجاني باستغلال قرب داره من أعمدة أضواء الشارع العامة التي لا تخضع لقطع التيار الكهربائي المبرمج فيتعمد في وقت متأخر من كل ليلة أن يوصل سلك الكهرباء إلى عمود الضوء لخلو الشارع من المارة ثم يقوم بقطع التوصيلة مع شروق الشمس حتى لا يتم كشف الأمر.
      وقد تكون الظروف القائمة ذات علاقة بالظروف الشخصية للجاني أو المجني عليه ومثال ذلك أن يقوم الجاني بمد بالعبث بالمحولة الرئيسية للتيار الكهربائي ومد خطوط جديدة منها إلى مكان ما لغرض الاستفادة من هذا التيار الكهربائي وقبل الحصول على موافقة رسمية لمد مثل هذا الخط من مصلحة الكهرباء مدعيا بأنه الموظف المختص بالقيام بهذه الأعمال والمرسل من قبل مصلحة الكهرباء . أو استغلال الجاني ضعف بصر الموظف المختص بالجباية وعدم قدرته على قراءة عداد التيار الكهربائي فيقوم الجاني بقراءة العداد وبشكل مغلوط فيقلل من الثمن الحقيقي للتيار موهما الموظف المختص بصحة هذه القراءة .
* – الاستعانة بأوراق مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا إلى الغير :
وهنا فأن الجاني قد يستعين بأوراق مزيفة أو تنسب كذبا إلى الغير من اجل الحصول على مال المجني عليه المنقولة , ويستوي في ذلك أن تكون هذه الأوراق مزيفة بالكامل أو في جزء منها كما يستوي أيضا فيما لو كانت الجهة التي تنسب إليها صدور هذه الأوراق لها وجود حقيقي     أو كان وجودها وهمي , فجريمة الاحتيال تكون متحققة متى ما كان من شأن هذه الأوراق المزورة أو المزيفة  قد أوقعت المجني عليه بالغلط فدفعته إلى تسليم ماله المنقول إلى الجاني , كما لو إن الجاني قام بإبراز أوراق مزورة تثبت قيامه بدفع الفواتير المستحقة عليه من اجل إعادة التيار الكهربائي الذي قطع عن منزله بسبب تأخره في دفعها بعد أن تم إنذاره لأكثر من مرة بوجوب تسديد هذه الفواتير من قبل مصلحة الكهرباء , أو قيام الجاني بتسليم أمر مزيف بإعادة التيار الكهربائي الذي تم قطعه عن منزله بسبب عدم تسديد الفواتير المستحقة عليه إلى عمال مصلحة الكهرباء ودفعهم على القيام بإعادة التيار الكهربائي إليه استنادا إلى هذا الأمر المزيف .
والملاحظ في الفروض المتقدمة إن هناك تعددا ماديا للجرائم حيث إن السلوك الأول للجاني يشكل جريمة تزوير كاملة الأركان ثم يعود بعد ذلك ليرتكب السلوك الأخر الذي يتمثل باستعمال الأوراق المزيفة في سبيل إيقاع المجني عليه بالغلط ودفعه إلى تسليم ماله المنقول وهنا نكون أمام جريمة احتيال كاملة الأركان أيضا (25).
* – الاستعانة بمظاهر خادعة :
من الوسائل التي اعتاد الجاني في الغالب اللجوء إليها في جرائم الاحتيال هي الاستعانة بالمظاهر الخداعة والتي يمكن للباحث أن يسوق المثال التالي لتقريب الصورة أكثر بقدر تعلق الأمر بجريمة التعدي على التيار الكهربائي وذلك في حالة قيام الجاني بالظهور بملابس عمال الكهرباء المتخصصين بالصيانة ومد أسلاك التيار الكهربائي , وقد يستعين بواسطة النقل والتي يحرص على أن تظهر للعيان بشكل خارجي مشابه لواسطة النقل التابعة لمصلحة الكهرباء ويعمل لوحده أو بمساعدة آخرين وهم الشركاء في الجريمة هنا بمد خط تيار كهربائي إلى منزل أو مصنع أو إلى غير ذلك من الأماكن التي تكون بحاجة  للكهرباء ودن أن تكون هنالك موافقة   رسمية من الجهات صاحبة الاختصاص والتي هي في الأعم الأغلب مصلحة الكهرباء .
 
 
 
 
ج – استغلال الجاني صفته الخاصة :
وقد يقوم الجاني باستغلال صفته الخاصة والمتوفرة لحظة ارتكاب الفعل ألجرمي المكون لجريمة الاحتيال , فسهلت له عملية  إيهام  المجني عليه وإيقاعه في الغلط . إن القاعدة العامة في جرائم الاحتيال أن الكذب المجرد لا يكون كافيا لعده من قبيل الطرق الاحتيالية , إلا إن الأمر يختص من هذه القاعدة العامة في حالة ما إذا كانت هنالك صفة خاصة في الجاني يمكن أن تجعل المجني عليه يثق به ويصدق أقواله الكاذبة التي تصدر عنه فتوقعه في الغلط (26).
إن المراد بالصفة الخاصة هنا هي ما يتعلق بالوظيفة التي يباشرها الجاني لحظة ارتكابه السلوك الإجرامي أو ما يتعلق بشخصيته أو بالمهنة أو الحرفة التي يمارسها , وفي إطار الحديث عن جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي يمكن أن نفترض إن الشخص الذي يقوم بالتعدي على التيار الكهربائي قد استفادة من صفته كونه من موظفي مصلحة الكهرباء ويعمل تحديدا في القسم الخاص بإصدار الفواتير التي تحدد إثمان التيار الكهربائي للمشتركين فيقوم بتغير قيمة  الفاتورة في كل مرة تصدر بحقه وإنقاص المبالغ الحقيقية لما يستهلكه من تيار كهربائي خلافا للواقع , أو يقوم الجاني باستغلال مهنته كونه عامل كهرباء ويتمتع بالخبرة الكافية التي تمكنه من القيام بإيصال السلك الكهربائي إلى منزله وإخراجه من خلف العداد دون أن يمر به وبشكل يصعب كشفه على من يراه للوهلة الأولى ويستوي في ذلك أن يكون التيار الكهربائي كله أو جزء منه لا يمر من خلال هذا العداد

*************************
عاشت مصر حرة
avatar
شعبان مجاورعلي المحامي
المدير العام

عدد المساهمات : 1391
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
الموقع : مصر

http://shabanavocat.almountada.info

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

مُساهمة من طرف شعبان مجاورعلي المحامي في الأحد 10 أغسطس 2014, 5:50 pm

 
    3 – إيهام المجني عليه بأمر معين :
إن المشرع في التشريعات الجنائية لا يكتفي بالكذب وحده لقيام جريمة الاحتيال حتى لو اتخذ فيه الجاني مظاهر خارجية بل لا بد بالإضافة إلى ذلك أن تؤدي هذه المظاهر الخارجية إلى إيهام المجني عليه بأحد الأمور التي اخذ المشرع الجنائي في معظم التشريعات المقارنة على عاتقه حصرها بواحدة من مما يأتي (27)  .
 
أ – الإيهام بوجود مشروع كاذب .
ب – الإيهام بوجود واقعة مزورة .
ج – إحداث الأمل بتسديد المبلغ الذي اخذ بطريق الاحتيال .
ء – الإيهام بوجود سند مخالصة مزور
ويرى الباحث هنا ضرورة بيان المراد بالإيهام قبل البحث في صوره , والإيهام هو التغرير بشخص المجني عليه وإيقاعه في الغلط بحيث يتكون لديه تصور هو خلاف للحقيقية و الواقع ويشترط لتحقق الفرضية السابقة أن تكون الطرق الاحتيالية التي يأتي بها الجاني على درجة عالية من الإحكام والجودة بحيث يكون من شأن ذلك إيقاع العامة من الناس بالغلط ودفعهم إلى تصديق ادعاءات الجاني الغير حقيقية , ومن الباب المعاكس لهذا الرأي يمكن أن نقول إن الأساليب التي يلجا أليها الجاني والتي يهدف من ورائها إيقاع المجني عليه بالغلط إذا لم تكن على هذه الدرجة أي إن الشخص العادي العاقل يكون قادرا على كشفها فإنها تكون غير كافية لتحقق معنى الإيهام وبالتالي لا وجود لجريمة الاحتيال هنا (28) .
و الباحث يرى في هذا المجال إن المعيار الذي يمكن أن يعتمد في معرفة ما إذا كانت الأساليب التي لجاء إليها الجاني يتحقق فيها الإيهام هو معيار شخصي يكون اقرب إلى شخص المجني عليه من النظر إلى عامة الناس أو الشخص المتوسط الحرص , فلو أخذنا بنظر الاعتبار إن معظم الأشخاص الذين يكونون من ضحايا جريمة الاحتيال هم من الناس البسطاء والذين لا يكونون على درجة كافية من الإبصار بالواقع  وتقل فيهم صفة الحرص إلى الحد المعقول الذي لا يعيب إرادتهم من الوجهة القانونية  فهذا يدفعنا إلى التوسع في نطاق الحماية الجنائية للأشخاص الذين هم من ضحايا الجناة في مثل هذه الجرائم , ويرى الباحث إن القول بخلاف ذلك سيخرج هؤلاء من الحماية الجنائية التي هم بأمس الحاجة إليها وذلك بسبب التطور الذي يشهده العالم في مجال التعاملات التجارية وطرق الاتصال المعلوماتية والأوضاع الثقافية العامة للمجتمعات المتمدنة .
وبالعودة إلى ما تقدم ذكره من حصر صور الإيهام الذي يمكن أن يعد السلوك الإجرامي لجريمة الاحتيال قد توفرت فيه يرى الباحث ضرورة بيانها  بالشرح والمثال بالقدر الذي يتعلق بجريمة التعدي على التيار الكهربائي .
أ – الإيهام بوجود مشروع كاذب :
وفيها يقوم الجاني بحمل المجني عليه على الاعتقاد بوجود مشروع يستوجب جمع مبلغ من المال لغرض التعاون والاشتراك بين مجموعة من الأشخاص للإغراض التجارية أو الصناعية  أو الزراعية أو الاجتماعية أو الدينية أو من قبيل الأعمال الخيرية , فالنص جاء مطلق في معظم ما وردة من نصوص في التشريعات المقارنة وما ذكره المشرع من كلمة (مشروع ) يمكن أن تتسع معانيها لتشمل كل نشاط فردي أو جماعي كأن يكون هذا الأخير على شكل منظمة أو شركة أو مؤسسة أو إلى غير ذلك من المشاريع التي يكون الغرض من تأسيسها انجاز عمل معين .
فقيام الجاني بإيهام أهالي حي سكني بأنه سيقوم بجلب مولد كبير للتيار الكهربائي لغرض تزويد المشتركين من أهالي الحي بالكهرباء أثناء فترات الانقطاع المبرمج والكذب عليهم من اجل الحصول على بدلات الاشتراك في الوقت الذي يكون لا وجود لمثل هذا المولد أو أن المولد الذي جاء به الجاني غير كافي لتزويد كل المشتركين بالكهرباء وعلى الرغم من علمه بذلك فأنه يقوم بأخذ بدلات اشتراك أكثر من الطاقة الإنتاجية لهذا المولد فأن الصورة المتمثلة بالإيهام بوجود مشروع كاذب لقيام جريمة الاحتيال تكون قد تحققت في الفرض المتقدم  .
   ب – الإيهام بوجود واقعة مزورة :
وهنا يقوم الجاني بإيهام المجني عليه بوجود واقعة مزورة والمراد بها هنا الاعتقاد بوجود أمر معين على غير الحقيقة التي يكون عليها , كما لو قام الجاني بإدخال سلك الكهرباء من وراء العداد ودون أن يمر به من اجل أن لا يسجل القيمة الحقيقية للتيار الكهربائي الذي يقوم باستهلاكها الجاني و تتجه إرادته إلى إيهام الموظف المختص بالجباية والتابع لمصلحة الكهرباء أن الرقم المسجل بالعداد هو الرقم الحقيقي لمقدار ما يقوم باستهلاكه من الكهرباء في كل مرة يأتي بها لقراءة العداد وتسجيل هذا الرقم غير الحقيقي للعداد على فاتورة الكهرباء التي يتم تسديدها من قبل المشتركين بخدمة التيار الكهربائي لدى مصلحة الكهرباء  .
  ج – إحداث الأمل بتسديد المبلغ الذي اخذ بطريق الاحتيال :
إن الجاني في هذه الصورة من الطرق الاحتيالية يقوم بأحداث الأمل لدى المجني عليه بأنه سيقوم بدفع قيمة المال المنقول الذي حصل عليه منه عينا أو نقدا في المستقبل مع انصراف نية الجاني إلى عدم القيام بدفع قيمة هذا المال والاستيلاء عليه دون محاولة إرجاعه إلى المجني عليه بعد ذلك , وجرت العادة في مثل هذه الطرق الاحتيالية أن يقوم الجاني في سبيل حمل المجني عليه لتصديقه وتسليم ما لديه من مال منقول بأحدث الأمل عن طريق وضع ضمان غير حقيقي أو غير ذا قيمة مالية أو أن قيمته لا تتناسب والقيمة الحقيقية لمال المجني عليه والذي يكون الجاني قد استولى عليه بالطرق الاحتيالية.
ومثال ذلك في إطار موضوع البحث لو أن الجاني يقوم بالذهاب إلى مصلحة الكهرباء لتسديد الفاتورة التي تتضمن قيمة التيار الكهربائي الذي قام باستهلاكه طيلة الفترة السابقة لدفع الفاتورة ويتظاهر بنسيان حافظة نقوده في المنزل فيطلب من الموظف المختص بالجباية أن يقوم بالختم على فاتورة الكهرباء والتوقيع كإشارة على تسديد قيمة الفاتورة واضعا في حيازة المجني عليه خاتم من النحاس كان يرتديه الجاني ويقنعه أن هذا الخاتم ذهبا وان له قيمة مالية أعلى من قيمة فاتورة الكهرباء كأمانه لحين عودته من اجل دفع الفاتورة المستحقة عليه , أو أن يقوم بإعطائه ورقة نقدية مزيفة من فئة الدولار الأمريكي وتكون قيمتها النقدية أعلى بكثير من قيمة فاتورة الكهرباء لو كانت غير مزيفة مقنعا المجني عليه بأن هذه الورقة حقيقية وإنها ستبقى كضمان لديه لحين العودة مجددا لدفع قيمة فاتورة الكهرباء والتي سبق وان قام الموظف المختص بتأشير دفع قيمتها بالختم والتوقيع عليها من قبله.
ء – الإيهام بوجود سند مخالصة بالدين مزور( غير حقيقي ) :
وتتلخص الواقعة هنا بأن يقوم الجاني بتسليم المجني عليه سند يثبت قيامه بتسديد التزامه المالي نحو الدائن (المجني عليه ), ولا يشترط القانون هنا أن يتخذ هذا السند شكلية معينة بل يذهب إلى عد مجرد قيام الجاني بإخراج حافظة نقوده التي تكون ذات ملاءة مالية تكفي لسداد قيمة الدين لإيهام المجني عليه بتوفر المبلغ المالي ألازم لسداد قيمة الدين الذي في ذمته وانه يهم بحساب ما فيها من مال فيقوم المجني عليه بتسليمه سند المخالصة الذي يثبت سداده للدين وبعد ذلك يمتنع الجاني عن سداد ما في ذمته من الالتزام المالي للجاني وقد دخل سند المخالصة المزور في حيازته (29).
وفي إطار جريمة التعدي على التيار الكهربائي يمكن أن نتصور قيام الجاني كما في الفرض المتقدم بالتظاهر أمام المجني عليه وهو الموظف المختص بجباية المبالغ المتحصلات من فواتير استهلاك التيار الكهربائي وقيامه بإخراج محفظته وعد ما فيها من المال أمام المجني عليه لإيهامه بأنه يهم بدفع مبلغ الفاتورة ومع قيام الموظف بتسليم الفاتورة إلى الجاني وقد قام بختمها والتوقيع عليها وعدها سند مخالصة لما على الجاني من التزام مالي في ذمته إلى مصلحة الكهرباء يمتنع بعدها هذا الأخير عن دفع قيمة المبلغ المثبت عليها .
ثانيا : التصرف في مال غير مملوك للجاني وليس له حق التصرف فيه :
ولكون البحث يتناول فعل التعدي على التيار الكهربائي فأن الكلام هنا يكون قاصرا على التصرف في المال المنقول فقط دون أن يتم الإشارة إلى ما إذا كان هذا المال من العقارات فالتيار الكهربائي وكما تمت الإشارة إليه في ما تقدم يعتبر من قبيل الأموال المنقولة , ومن اجل أن تتحقق الصورة التي نحن بصدد البحث فيها كوسيلة من وسائل تحقق السلوك المادي في جرائم النصب والاحتيال  وعلاقة ذلك بالتعدي على التيار الكهربائي  فأن المال المنقول لا يكون هنا ملكا للجاني وعلى الرغم من ذلك فأن هذا الأخير يتصرف فيه تصرف المالك دون وجود وجه للحق الذي يخوله القيام بمثل هذا التصرف ودون الاستعانة بمظاهر خارجية , إلا إن تصرف الجاني هنا يمكن أن يتضمن ادعاء كاذب بأن المال الذي يقوم بالتصرف به هنا هو ملكه و أن له حق التصرف فيه وبالتالي فأنها تلتقي مع الطرق الاحتيالية في ارتكاب جريمة النصب  .
 
 
و الكذب في هذه الحالة يتميز بخصائص ثلاث وهي(30) :
1 - إن الكذب هنا يجب أن يكون مجردا , أي أن الجاني في قيامه بالتصرف في المال الذي لا يكون له حق التصرف فيه كافيا لعد الكذب متوفرا وبالتالي قيام جريمة الاحتيال هنا ولو لم يكن هناك من المظاهر الخارجية ما يدعم هذا الكذب الذي جاء مجرد كما في حالة لو أن الجاني يستعين بشهادة شخص أخر أو تقديم مستندات مزورة , فالكذب المجرد في الحالة المتقدمة يكفي من وجهة نظر المشرع لتوافر عنصر التدليس الذي تقوم عليه جريمة الاحتيال .
2 -  أن يكون الكذب محدد الموضوع , وموضوع الكذب هنا هو الحق في التصرف في المال و المبدأ العام أن الأمر يستوي في أن يكون هذا المال من المنقولات أو العقارات إلا إن الكذب في فعل التعدي على التيار الكهربائي لا يمكن أن يكون المال محل التصرف إلا من قبيل المنقولات .
وتختلف هذه الوسيلة من وسائل التدليس عن الطرق الاحتيالية في ارتكاب جرائم النصب في إن الكذب في الطرق الاحتيالية يكون غير محدد الموضوع و إن كان محدد الغاية .
3 – أن يكون الكذب صريح , ولا يشترط هنا إلا التصرف في المال من قبل الجاني الذي لا يملك الحق في التصرف فيه كقرينة كافية لعد الكذب متوفر وان لم يقم الجاني بالادعاء كذبا بأنه يملك مثل هذا الحق كونه على سبيل المثال مالكا له أو انه مفوض من قبل صاحبه بالتصرف فيه .
إن الاحتيال في فعل التعدي على التيار الكهربائي عن طريق التصرف في مال دون وجه حق يتطلب توفر شرطين هما :
أ – التصرف في المال المنقول ( التيار الكهربائي ) :
والمراد بالتصرف هنا أن يباشر الجاني أي من التصرفات القانونية التي يرتب عليها القانون التزاما في ذمة المتصرف على نقل ملكية المال المنقول الذي تصرفه به بالبيع أو الهبة أو بعوض أو الوصية أو المقايضة أو ما يترتب عليه من حق عيني كالرهن أو الارتفاق أو الانتفاع وفي جميع الأحوال أن يكون هنالك عوضا لهذا التصرف ألا وهو الثمن (31) .
إن المشرع مد نطاق التجريم إلى هذا التصرف والغاية من ذلك هو أن يجرم التصرفات الاحتيالية التي تصدر من البعض عند قيامه بالتصرف بالمال المنقول لأكثر من مرة واحدة(32) , ولقيام جريمة الاحتيال هنا يشترط أن يقوم المتصرف بالتصرف بالمال المنقول للمرة الثانية بعد  أن يكون هذا المال الذي بحيازته قد تم إفرازه , هذا في حالة ما إذا كان المال المنقول من الأموال التي يتم تعينها بالعين لا بالذات . أما إذا كان المال المنقول من الأموال التي تعين بالذات فان جريمة الاحتيال يمكن أن تقوم بمجرد قيام الجاني بالتصرف بالمال المنقول للمرة الثانية ولو لم يتم الإفراز إذا جاء هذا التصرف الثاني بعد أن تمت عملية التعاقد على البيع لان الأموال التي يتم تعينها بالذات تنتقل ملكيتها بمجرد التعاقد ولو لم يتم الإفراز .
ويمكن أن نجد لهذه الصورة ما يمكن أن نسوق به المثال لو افترضنا إن عملية تزويد التيار الكهربائي للمشتركين في خطوط التوليد الخاصة التابعة إلى الأشخاص الطبيعيين في بعض المناطق التي تخضع للقطع المبرمج , أو المتعهدين في إيصال التيار الكهربائي إلى بعض المشاريع التي يتم العمل بها في المناطق التي لا تصل إليها خدمات مصلحة الكهرباء فيقوم العامل المختص بالتشغيل بزيادة أوقات التشغيل عن المتفق عليه مع المتعهد من قبل المشتركين والمتعهد هنا هو الوحيد الذي يملك الحق في التصرف في هذا المال المنقول (التيار الكهربائي) ثم يقوم المشغل بعد ذلك بأخذ مبالغ إضافية من المشتركين مع نية الاحتفاظ بهذه المبالغ لنفسه وقد تصرف هنا بالمال المنقول والمتمثل هنا بالتيار الكهربائي الذي زود به المشتركين في غير الأوقات التي تم الاتفاق عليها مع المتعهد في الوقت الذي يكون فيه هذا المشغل لا يملك الحق في التصرف بهذا المال بأي من وجوه التصرف القانونية والتي سبق وان تمت الإشارة إليها فيما تقدم .
ب – انعدام حق الجاني في التصرف :
إن الشرط الثاني لقيام جريمة الاحتيال في هذه الحالة هو أن لا يملك الجاني الحق في التصرف في المال محل الجريمة لا ببيع ولا بأي نوع أخر من التصرفات القانونية و فالجاني هنا لا يكون مالكا للمال محل الجريمة أو مالك لحق يخوله التصرف بهذا المال بأي من وجوه التصرف القانونية (33) إن الجاني في ما تقدم ذكره من مثال كان لا يملك الحق في التصرف بالتيار الكهربائي بأي من وجوه التصرف القانونية وبالتالي يرى الباحث أن نكتفي بالمثال السابق والذي سبق وان اشرنا إلى كون الجاني فيه لا يملك مثل هذا الحق وان الشرطيين قد توفرا في الجاني فهو يتصرف بأحد وجوه التصرف القانونية في مال لا يملك أصلا حق التصرف فيه .
ثالثا : اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة :
أن الوسيلة الثالثة من الوسائل التي ترتكب بها جريمة الاحتيال هي اتخاذ اسم كاذب أو الاتصاف بصفة غير حقيقية , فقد عد المشرع في التشريعات المقارنة هذه الوسيلة من الوسائل التي تكفي بذاتها لتشكيل الركن المادي في جريمة الاحتيال .
وعملية اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير حقيقية هنا لا يشترط أن ترافقها استعانة الجاني فيها بمظاهر خارجية تدعم ذلك , ويبدو إن ما اعتاد الناس عليه من عدم مطالبة من يدعي اسم كاذب أو من يدعي توافر صفة معينة أن يقيم الدليل على صحة ما يدعيه هو الذي دفع المشرع في التشريعات المقارنة إلى الاكتفاء بهذا الادعاء مجردا من المظهر الخارجي لتكوين السلوك ألجرمي في جريمة الاحتيال .فقيام الجاني بارتداء زيي ضابط أو طبيب أو عامل كهرباء أو غير ذلك من المهن التي تحتاج في من يقوم بها أن يرتدي زيي خاص بها يدفع العامة من الناس إلى تصديق هذه الصفة دون أن يطالب أي من هؤلاء في أن يقوم بإبراز ما يثبت تحليه بهذه الصفة . 
  ومن الأمور المفترض ذكرها هنا هو أن هذه الوسيلة تختلف عن ما سبق ذكره من إن جريمة الاحتيال تقع عند قيام الجاني  باستغلال صفة حقيقية عالقة به لتعزيز وتدعيم أقواله الكاذبة للاستيلاء على مال غيره , فالصفة الحقيقية هنا هي التي جعلت المجني عليه يصدق أقوال الجاني الغير حقيقية أما الوسيلة الثالثة من وسائل الاحتيال والتي يتم البحث فيها هنا فأن الجاني فيها لا يتحلى بالصفة التي يدعيها أو الاسم الذي يتخذه وهذا الادعاء الكاذب هو الذي دفع المجني عليه تسليم المال إلى الجاني فتقع جريمة الاحتيال كاملة في هذه الحالة بمجرد التسليم , وعلى الرغم من ذلك فان الوسيلتين تشتركان في أن الجاني يقوم باستغلال الاسم أو الصفة سواء أكانت حقيقية أو غير حقيقية كوسيلة للاستيلاء على مال المجني عليه , إذ إن الصفة أو الاسم الذي يظهر به الجاني إلى الضحية في جريمة الاحتيال يكون من شانه التأثير في نفس المجني عليه ( الضحية ) فتجعله يميل إلى تصديق مزاعمه الكاذبة .
إن التدليس في هذه الوسيلة من وسائل الاحتيال لا يقوم إلا إذا توفرت خمسة شروط وفق التفصيل التالي ذكره(34) .
1 – أن يتخذ الجاني اسم كاذب أو صفة غير حقيقية :
ويشترط هنا أن يكون الجاني قد نسب لنفسه هذا الاسم الكاذب أو الصفة غير الحقيقية فلا تقوم جريمة الاحتيال بهذه الوسيلة إذا قام الجاني بنسب هذه الصفة أو الاسم إلى شخص أخر وان كانت هذه الصفة أو هذا الاسم غير حقيقي وان ترتب على ذلك تسليم مال الغير (المجني عليه) إلى الجاني (35) .
والمقصود باتخاذ اسم كاذب إن يقوم الجاني بانتحال اسم غير اسمه الحقيقي ويستوي في ذلك أن يكون الاسم لشخص له وجود في الواقع أو يكون وهميا أي لا وجود لهذا الاسم ( غير حقيقي ) , ويستوي الأمر أيضا في كون الاسم قد تم تغيره بالكامل أو في جزء منه كما لو قام الجاني بتغير اسم والده أو لقبه أو اسقط بعض الأحرف منه أو غير في ترتيب اسمه واسم والده ولقبه علما انه لا يعد من قبيل جريمة النصب قيام الجاني باستعمال اسم الشهرة والذي اشتهر به الجاني إلا إذا استغل تشابه هذا الاسم مع اسم الشهر لشخص أخر كما يعتبر من قبيل الاسم الكاذب أن يقوم الجاني باستخدام اسمه الحقيقي إذا تعمد صرف النضر إلى شخص أخر يكون له الاسم نفسه الذي يحمله الجاني فيستغل تشابه الأسماء لارتكاب جريمة الاحتيال(36) .
فلو فرضنا أن الجاني اتخذ خلافا للواقع اسم رئيس المهندسين المشرف على مشروع الكهرباء والذي يتم العمل فيه بتجهيز منطقة معينة بالتيار الكهربائي ويستعمل ذلك كوسيلة لخداع عمال الكهرباء وحملهم على إيصال التيار الكهربائي إلى منزله دون أن تكون هنالك موافقة رسمية من مصلحة الكهرباء لإيصالها إلى هذا المنزل .
أما الصفة الغير حقيقية فالمراد بها هنا أن يقوم الجاني بانتحال وضعا معينا بالمجتمع لا يتمتع به في الواقع , كما لو قام الجاني بانتحال لقب معين أو وظيفة أو مهنة أو حرفة أو قرابة أو إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تصرف الذهن إلى ما يغاير الحقيقية.
 وبقدر تعلق الأمر بجريمة التعدي على التيار الكهربائي يمكن أن تعد من قبيل هذه الوسيلة للتدليس أن يقوم الجاني بارتداء زيي عمال الكهرباء وقيامه بمد أسلاك الكهرباء إلى منزل أو معمل أو إلى حيث تكون هنالك حاجة إلى تيار كهربائي دون أن تكون هنالك موافقة مسبقة من مصلحة الكهرباء لمد أسلاك الكهرباء إلى المكان الذي قام الجاني بتجهيزه بالتيار الكهربائي مسبقا .
 والأمر لا يختلف هنا فيما إذا كانت هذه الصفة التي يدعيها الجاني كان يتمتع بها في الماضي إلا إنها زالت عنه لحظة الادعاء بها لأي سبب كان أو أن هذه الصفة لم يكن يتمتع بها بأي من الأوقات التي سبقت هذا الادعاء الكاذب .
2 – أن يقوم الجاني بعمل ايجابي :
إن قيام الجاني باتخاذ اسم كاذب أو الادعاء بصفة غير حقيقية لا يمكن تصوره في جريمة الاحتيال إلا إذا قام الجاني بعمل ايجابي وهذا يتحقق مع ما يصدر من الجاني من وسائل التعبير كالأقوال أو الكتابة أو غيرها من السلوكيات الايجابية الأخرى , ولعل ما تقدم ذكره من الفرضيات السابقة يمكن أن نجد فيها ما يشير إلى ذلك  فقيام الجاني بارتداء ملابس عمال الكهرباء أو قيام الجاني بالادعاء بالقول أو الكتابة انه رئيس للمهندسين يتضح فيها السلوك الايجابي للجاني والذي يعد من وسائل التدليس التي يمكن أن تدخل في تكيفها القانوني ضمن هذه الصورة من صور جريمة الاحتيال .

*************************
عاشت مصر حرة
avatar
شعبان مجاورعلي المحامي
المدير العام

عدد المساهمات : 1391
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
الموقع : مصر

http://shabanavocat.almountada.info

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

مُساهمة من طرف شعبان مجاورعلي المحامي في الأحد 10 أغسطس 2014, 5:50 pm

 

3 – أن يكون ادعاء الجاني من شأنه خداع المجني عليه :

ويشترط لقيام جريمة الاحتيال هنا أن يكون من شأن هذا الادعاء خداع المجني عليه ودفعه إلى الاعتقاد بصحته مما يجعله يقوم بتسليم المال للجاني .

إن الحكم على كون هذا الادعاء يكفي لخداع المجني عليه من عدمه مسألة تخضع لتقدير القضاء على إن المجري العادي والمألوف في هذه الحالة هو أن يكون ادعاء الجاني مما يكفي إلى خداع الإنسان العاقل وان لم يكن هذا الأخير قد احتاط بما يكفي للحيلولة دون الوقوع في الغلط .

  4 – أن لا يكون ادعاء الجاني مفضوح أو مكشوف للعامة من الناس :

فلا تقع الجريمة في هذه الحالة إذا كان هذا الادعاء من الممكن حتى للسذج من الناس أن يعرف حقيقته الكاذبة , فمتى ما كان الادعاء من الممكن للإنسان الذي يملك قدر طبيعي من الإدراك أن يكتشف ما فيه من مغايرة للواقع , فالقانون لا يمكن أن يشمل في حمايته الجزائية الأشخاص الذين لا يحرصون على حماية أنفسهم والذين يفرطون في تسليم ما لديهم من الأموال إلى من لا تكون الظروف الخارجية التي تحيط بهم تكفي للتصديق بما يدعونه من الأقوال أو الأفعال المغايرة للواقع .

5 – أن لا يكون الادعاء متناقض مع المظهر الخارجي للجاني :

إن المظهر الخارجي للجاني هنا من الأمور التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار فلا يمكن أن يكون الاسم الكاذب الذي يتخذه الجاني أو الصفة الكاذبة التي يدعيها لا تتفق مع المظهر الخارجي له , فمتى ما كان المظهر الخارجي للجاني يتفق مع الادعاء الكاذب الذي يقوم به الجاني فأن ذلك هو ما يبعث الثقة في نفس الغير وبالتالي تسليم ما لديه من الأموال إلى الجاني بناء على ذلك(37) , ففي الفرض المتقدم من كون الجاني قد ادعى انه رئيس المهندسين المشرف على العمل لا يمكن أن تكون جريمة الاحتيال قد تحققت أركانها لو أن الجاني كان يرتدي ملابس رثة أو انه لا يزال صغير العمر قياسا بالصفة التي يدعيها وكونه رئيسا للمهندسين(38) .

 

الفرع الثاني : النتيجة الجريمة (تسليم التيار الكهربائي)

ولا يخفى إن الوجهة التي يتوخاها المشرع من تجريم وسائل التدليس والتي سبق وان أشار الباحث إلى أن المشرع في التشريعات المقارنة نص عليها على سبيل الحصر هي حماية الأموال من الاستيلاء عليها من الغير دون وجهة حق بطريق الغش والخداع , والنتيجة الجريمة التي تتحقق هي أن يدخل المال في حيازة الجاني عن طريق إحدى وسائل التدليس والتي يحددها المشرع في النص العقابي .

وبالرجوع إلى قراءة النصوص العقابية المقارنة و التي تجرم الاحتيال والنصب نجد إنها تجعل من تحقق تسلم المال من قبل الجاني من المجني عليه وإيقاع هذا الأخير بالغلط والذي لولاه لما قام بتسليم ماله هي النتيجة الإجرامية المترتبة عن قيام الجاني بارتكاب واحدة أو أكثر من وسائل التدليس ,و يرى الباحث ضرورة بيان مدلول التسليم ثم بيان مدلول المال محل جريمة النصب وتحديدا فيما يتعلق بجريمة التعدي على التيار الكهربائي ووفق التفصيل التالي

أولا : مدلول التسليم (المقصود من الاستيلاء على مال الغير في جريمة الاحتيال )  

تقوم جريمة الاحتيال مع قيام المجني عليه بتسليم ماله الذي في حيازته إلى الجاني وان يتم هذا التسليم برضاه , وبعد هذا لا يتم الأخذ بنضر الاعتبار إلى الطريقة التي انتقل من خلالها المال إلى حيازة الجاني سواء أكانت بطريقة مباشرة عن طريق التسليم ومناولته باليد أو أن يتم هذا التسليم بالطريق الغير مباشر كما لو أن هنالك من ينوب عن المجني عليه في تسليم ماله إلى الجاني بناء على طلب من المجني عليه نفسه كأن يقوم بالتسليم وكيل المجني عليه أو تابعه(39) .والفرض الذي يمكن أن نتصوره هنا وفي إطار البحث عن فعل التعدي على التيار الكهربائي لو أن الجاني هو الذي قام بمد أسلاك الكهرباء إلى داره بنفسه أو انه قام بجلب مهني مختص بإعمال التوصيل الكهربائي بعد أن قام بإقناعه بإحدى وسائل التدليس إن أعمال التوصيل التي يقوم بها هذا المهني  تجري وفق القانون كون الجاني قد حصل على الموافقات الرسمية من الجهة المختصة بذلك والتي هي في الأعم الأغلب مصلحة الكهرباء, إما إذا كان الوسيط في عملية التوصيل هنا سيء النية , أي انه يعلم بان عملية التوصيل التي تتم غير شرعية وخارج إطار القانون فان الوسيط هنا يكون شريكا مع الفاعل الأصلي في الجريمة .والتسليم يعد تام وان لم يترتب عليه انتقال حيازة المال بالكامل إلى الجاني كما لو قام الجاني بعملية إدخال جزء من التيار الكهربائي في العداد وإخراج جزء منه من خارج العداد دون أن يمرر فيه وبالتالي الحصول على تيار كهربائي أكثر من الذي يقوم العداد بقياسه من حيث الواقع , فجريمة الاحتيال متى ما قام الجاني بإتباع وسائل التدليس في الفرض المتقدم وقعت تامة وان كان الجاني يقوم بتسديد جزء من قيمة التيار الكهربائي وهو ذلك الجزء الذي يمر عبر العداد إلى مصلحة الكهرباء دون أن يقوم بتسديد قيمة التيار الكهربائي والذي يحصل عليه في الواقع بالكامل .

ولا فرق في الغرض الذي من اجله تم التسليم سواء أكان التسليم قد تم على سبيل التملك أو على سبيل الأمانة فقط  كما لو قام المشغل للمولد الكهربائي والذي يعمل لدى مالك المولد مقابل اجر والمسؤول عن صيانة المولد  بمد أسلاك الكهرباء إلى بعض البيوت المجاورة للمولد بعد أن أوهم مشغل المولد مالكه أن هذه الأسلاك التي يتم توصيلها إلى هذه البيوت دون مقابل نضير ما تسببه المولدة من إزعاج لسكان هذه البيوت في حين أن المشغل كان قد حصل على مقابل مالي من أهالي هذه البيوت نضير التيار الكهربائي الذي يحصلون عليه  (401) .

 

 

 ثانيا : مدلول المال (شروط المال محل جريمة الاحتيال)

إن المال الذي يمكن أن يكون محلا لجريمة الاحتيال له ذات المدلول الذي يكون للمال محل جريمة السرقة  , وعليه فأن هذا المال حتى يكون محلا لجريمة النصب والاحتيال لا بد أن تتوفر فيه الشروط التالية :

1 – أن يكون المال ذا طبيعة مادية :

إن الشيء حتى يعد من قبيل الأموال المادية لابد أن يكون له كيان مادي ملموس يصلح لان يكون محلا للتملك , وعليه لا يمكن أن تقع جريمة النصب وان كان الجاني قد سلك واحدة من وسائل التدليس التي نص المشرع عليها إذا لم يكن المحل الذي يرد عليه سلوك الجاني هنا من الأموال المادية فإذا قام شخص بسلوك واحدة من وسائل التدليس لحمل الغير على تغيير شهادته أمام المحكمة فلا تقع هنا جريمة النصب وان كان بالإمكان هنا معاقبة الجاني عن جريمة أخرى إذا ما وجد في القانون العقابي نص يجرم مثل هذا السلوك وتحت وصف قانوني أخر غير جريمة النصب والاحتيال. وبالرجوع إلى تحديد طبيعة التيار الكهربائي كونه محلا لجريمة النصب فقد استقر الفقه والقضاء(41) على إن التيار الكهربائي من الأموال التي تكون ذات طبيعة مادية يمكن أن تكون محلا للتملك وهذا ما أخذت به معظم التشريعات المقارنة بل إن بعض الدول ذهبت إلى ابعد من ذلك حيث شرعت نصوص عقابية خاصة بجرائم الاعتداء على الأموال وعد التيار الكهربائي من قبيل الأموال المنقولة و التي يمكن أن تكون محلا لجريمة السرقة والاحتيال وخيانة الأمانة(42) .

ويرى الدكتور طارق سرور (إن مدلول المال المادي لا يقتصر على المواد الصلبة وإنما يمتد مدلوله إلى أي مادة – أي كانت طبيعتها أو هيئتها – تصلح لان تكون محلا للتملك . وبناءا على ذلك تقع جريمة النصب إذا توصل الجاني – بإحدى وسائل الاحتيال – إلى الاستيلاء على تيار كهربائي أو خط تلفوني )(43)

2 – أن يكون المال من المنقولات :

كما ويشترط أن يكون المال محل جريمة النصب من المنقولات لا من العقارات إلا إذا اتجهت إرادة الجاني إلى الحصول على عقد بيع أو شراء أو رهن أو غير ذلك من وجوه التصرف القانونية في العقارات عندها يمكن أن تعد جريمة الاحتيال قد وقعت على منقول لا عقار إذا نضرنا إلى طبيعة العقد المنقولة لا إلى العقار نفسه فالعقد هنا كان بمثابة دليل إثبات له وجوده المادي المنقول والمنفصل عن العقار نفسه والمثبت قيمته في هذا العقد , ومن المتقدم ذكره فان التيار الكهربائي يعد من قبيل المنقولات لا من قبيل العقارات .

 

3 – أن يكون المال مملوك للغير :

إن وسائل التدليس يجب أن يكون الغرض من ارتكابها الحصول على المال المنقول والمملوك للغير وإلا فان المال إذا لم يكن للغير فالفعل لا يخرج عن كونه تصرف للشخص في ماله , فلا جريمة إذا لم يكن المال مملوك للغير والجاني لا يلجأ إلى ارتكاب أعمال النصب والاحتيال إلا من اجل الحصول على أموال الغير بطريق غير مشروع .

الفرع الثالث : مدلول العلاقة السببية في جريمة الاحتيال

إن العنصر الأخير الذي يتوقف على وجوده اكتمال الركن المادي في جريمة النصب هو العلاقة السببية التي تربط الفعل (وسائل التدليس) بالنتيجة (الاستيلاء على مال الغير) , وهذه العلاقة السببية تكون متوافرة متى ما كان من شأن الفعل الذي قام به الجاني أن يجعل المجني عليه يقوم بتسليم ماله إلى الجاني بإرادته المعيبة بالغلط . ويمكن أن توضع الشروط التي يتم من خلالها معرفة ما إذا كانت هنالك علاقة سببية بين سلوك الجاني والنتيجة الجريمة وبالتفصيل التالي

1 – إيقاع الجاني للمجني عليه بالغلط :

يكفي لتحقق النصب أن تؤدي الطرق الاحتيالية التي يقوم بها الجاني إلى إيقاع المجني عليه بالغلط , والسؤال الذي يمكن أن يتبادر للذهن هو ما المقصود بالغلط هنا ؟

إن الطرق الاحتيالية تعد قد حققت النتيجة الجريمة في جريمة الاحتيال متى ما كان من شأنها أن تؤدي إلى إيهام المجني عليه وجعله يعتقد خلاف الواقع بوجود واقعة أو أمور معينة والذي كان الجاني قد ادعاها أمام المجني عليه وترتب على هذا الإيهام قيام المجني عليه بتسليم ماله إلى الجاني .

إن النص الجنائي يخلو من تعريف للغلط في جميع التشريعات المقارنة وهذا لكون المشرع الجنائي اكتفى بتعريف الغلط الوارد بالقانون المدني (44) ويرى الباحث إن انسب تعريف والذي يمكن أن يعتمد هنا هو ما ذكره الدكتور مصطفى ألعوجي والذي يعرفه بأنه ( تصور خاطئ للحقيقية التي أرادها احد طرفي العقد أو كلاهما  فهو عيب يصيب العقد فيؤدي إلى بطلانه )(45) ويعرف الباحث الغلط في جريمة النصب  بأنه (إتباع الأساليب الاحتيالية والتي حددها المشرع على سبيل الحصر وبالشكل الذي يؤدي إلى وجود عيب في الإرادة فيؤدي هذا العيب إلى بطلان  التصرف القانوني وجعله وكأنه لا وجود له فالباطل يأخذ حكم الساقط , وعليه فالساقط لا يعود ولا يمكن ترتيب الآثار القانونية عليه) .

وبقدر تعلق الأمر بجريمة التعدي على التيار الكهربائي فأن الجاني مع قيامه على سبيل المثال بالادعاء كذبا أمام عمال الكهرباء المسؤولين عن مد خطوط التيار الكهربائي إلى منازل المشتركين و انه قد حصل على موافقة رسمية من مصلحة الكهرباء بإيصال التيار الكهربائي إلى داره هو الذي أوقع عمال الكهرباء بالغلط والذي دفعهم إلى القيام بإيصال التيار الكهربائي إلى داره , فالغلط هنا  يكون كافي لإثبات توافر العلاقة السببية بين فعل الجاني والنتيجة التي تحققت هنا وهي مد التيار الكهربائي إلى منزل الجاني دون أن تكون هنالك موافقة مسبقة وبالتالي نكون هنا أمام جريمة احتيال تستوجب عقاب مرتكبيها وفق النص الذي يجرم هذا السلوك المنحرف .

أما إذا كان عمال الكهرباء على دراية بان الجاني لم يحصل على الموافقات اللازمة لمد التيار الكهربائي إليه وعلى الرغم من ذلك قاموا بمد هذا التيار إلى بيت الجاني فلا نكون هنا أمام جريمة احتيال وان كان بالإمكان عقاب الجناة هنا بنص قانوني عقابي  أخر إذا ما تحققت أركانه.

 

2 – أن يكون تسليم المال إلى الجاني قد تم استناد إلى هذا الغلط :

إن المجني عليه لكي تكون العلاقة السببية قد توفرت بين فعله والنتيجة الجرمية التي تحققت هنا فلابد أن يكون هذا الغلط الذي أوقع الجاني به المجني عليه هو السبب المباشر في قيام المجني عليه بتسليم ماله إلى الجاني , فلو أخذنا ما ذكرناه في الفقرة السابقة من مثال حيث إن الجاني قام بالادعاء كذبا أمام عمال الكهرباء انه حصل على الموافقات الرسمية إلا إن عمال الكهرباء لم يقوموا بمد التيار الكهربائي إليه ولو كانوا قد وقعوا بالغلط وصدقوا ادعاءات الجاني الغير حقيقية إلا إنهم قاموا بذلك من اجل الحصول على مبلغ من المال نظير ما يقومون به من خدمة توصيل التيار الكهربائي إلى منزل الجاني بعد إن يكون قد وعدهم بذلك  أو أنهم قاموا بذلك خوفا من قيام الجاني بالاعتداء عليهم إذا ما امتنعوا عن إيصال التيار وكان هنالك ما يدعوهم إلى الاعتقاد بذلك كما لو أن المكان الذي يقوم عمال الكهرباء بمباشرة أعمالهم فيه يقع في منطقة بعيدة وغير مأهولة بالسكان وكان الجاني قد استعانة بمجموعة من الأشخاص في سبيل التلويح ولو من بعيد إلى عمال الكهرباء بأنه من الممكن أن يقوم بالاعتداء على عمال الكهرباء إذا لم يقوموا بمد التيار الكهربائي إلى منزله(46)  .

 

3 – أن تكون الطرق الاحتيالية سابقة على عملية التسليم :

إن تسليم المال المنقول والذي هو محل جريمة الاحتيال من قبل المجني عليه إلى الجاني لا يمكن أن يعد من قبيل النتيجة المترتبة عن الطرق الاحتيالية إلا إذا كانت هذه الطرق قد سبقت عملية التسليم , فإذا كان التسليم سابق على الطرق الاحتيالية و التي قام بها الجاني بعد أن تمت عملية التسليم فأن جريمة الاحتيال هنا لا تقوم كما لو أن عمال الكهرباء في المثال السابق قاموا بإيصال التيار الكهربائي إلى منزل الجاني عن طريق الخطاء وقبل أن يصل علم الجاني إلى هذا الخطاء  ولو لم يقم الجاني بعد ذلك إلى الإبلاغ عن وجود مثل هذا الخطاء فالسكوت هنا لا يعد من قبيل الطرق الاحتيالية .

إن وصف الاحتيال على مثل هذه الواقعة لا يمكن أن ينطبق عليها , إلا إن السلوك هنا يمكن أن يشكل جريمة أخرى غير الاحتيال فبمجرد أن يقوم الجاني بالاستفادة من التيار الكهربائي في الفرض المتقدم دون وجه حق مع علمه بذلك يمكن أن يشكل جريمة  سرقة طالما آن التيار الكهربائي من قبيل الأموال المنقولة والتي يمكن أن تكون محلا لجريمة السرقة .

المطلب الثاني : الركن المعنوي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي

إن جريمة النصب هي جريمة عمديه وان الركن المعنوي فيها يتخذ صورة القصد العام والمتمثل بعنصري الإرادة والعلم , كما يقوم الركن المعنوي فيها بالإضافة إلى ما تقدم على قصد خاص يتمثل بإرادة الجاني إلى الاستيلاء على أموال الغير عن طريق أساليب احتيالية مع علمه بذلك(47) .

 

الفرع الأول : القصد العام في جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي

يقوم القصد ألجرمي لجريمة النصب على عنصرين هما (العلم والإرادة ) ويرى الباحث ضرورة البحث في هذين العنصرين وخصوصية العلاقة التي يمكن أن تكون لهذين العنصرين في إطار فعل التعدي على التيار الكهربائي ووفق التفصيل التالي

أولا : العلم ( الإدراك )

لقيام جريمة التعدي على التيار الكهربائي وتكييفها قانونا كونها من قبيل الاحتيال لابد أن يكون الجاني فيها قد أحاط علما بجميع العناصر المادية المكونة لجريمة الاحتيال .

إن المعنى المتقدم يكون قد تحقق لو أن الجاني كان يعلم حين القيام بالفعل المكون للجريمة والمتمثل بوسائل التدليس من شأنه أن يوقع المجني عليه بالغلط أو إبقائه بحالة الغلط التي يكون عليها هذا الأخير , فيحمله ذلك إلى القيام بتسليم المال الذي يكون بحيازته إلى الجاني بإرادته المعيبة بالغلط , كما يشترط أن يكون الجاني عالما بان ما يصدر عنه من الأقوال أو الأفعال إنما هي على خلاف الحقيقية التي يكون عارفا بها وهذا هو الكذب والذي هو جوهر التدليس ثم يقوم الجاني بتوجيه إرادته إلى الإتيان بالأفعال المادية التي تلبس هذا الكذب ثوب الحقيقية المزيفة فيقع المجني عليه بالغلط والذي يؤدي إلى قيامه بتسليم ماله إلى الجاني(48) .

 

ويرى الباحث ضرورة تفصيل توافر العلم (الإدراك ) لقيام جريمة الاحتيال  وفق التفصيل التالي :

1 – أن يكون الجاني عالما بأنه يقوم باستخدام وسائل التدليس لإيقاع المجني عليه بالغلط وهذا العلم مفترض إذا ما ثبت أن الجاني كان قد باشر واحدة من طرق الاحتيال التي نص عليها المشرع في النصوص العقابية المقارنة على سبيل الحصر , فلا يمكن بعد ذلك أن يدعي انه لم يكن عارفا بان ما قام به من الأعمال تدخل ضمن النص العقابي الذي يعاقب على جريمة الاحتيال فالجهل بالقانون لا يمكن أن يعتبر من قبيل الأعذار التي تسقط العقاب على مرتكبي الأفعال التي يجرمها القانون فلا يمكن للجاني الذي يقوم بالعبث بالأرقام التي سجلها العداد الكهربائي وإنقاصها إلى ما هو اقل من القيمة الحقيقية والتي يستهلكها الجاني في منزله على سبيل المثال أن يدعي عدم معرفته بان ما قام به من عمل يدخل ضمن جريمة الاحتيال وانه يعد من قبيل الطرق الاحتيالية التي نص المشرع عليها في القوانين العقابية  .

2 – أن يكون عالما بان المال الذي دخل بحيازته لا يملك حق التصرف فيه قانونا , فإذا كان يعتقد بان المال الذي يباشر التصرف فيه من الأموال التي يكون له الحق في التصرف القانوني بها وثبت أن اعتقاده هذا كان مبنيا على أسباب معقولة فان جريمة الاحتيال لا تعد متوفرة كما لو قام شخص بمد سلك الكهرباء التابع لجاره ضانا انه سلك التيار الكهربائي الخاص بمنزله بعد أن تقطعت أسلاك التيار الكهربائي بسبب حادث معين , كما لو مرت حافلة ركاب في طريق فرعي وكانت أسلاك الكهرباء على ارتفاع اقل مما يمكن للحافلة المرور من أسفلها .     

3 – أن يكون الجاني عالما بكذب الأقوال التي يدلي بها أو عدم تمتعه بالصفة التي يدعيها . فلو كان من يدعي انه المهندس المشرف على مشروع تنصيب محولات للكهرباء في منطقة معينة وكان ادعائه قائم على تمتعه بهذه الصفة حقيقية إلا انه تم فصله قبل أن يباشر في عملية التنصيب وكان قد ادعى انه لا يزال يتمتع بهذه الصفة كونه لم يصل إلى علمه حقيقة حرمانه من هذه الصفة وباشر عملية التنصيب بعد فصله ضانا انه لا يزال يتمتع بصفته مهندسا مشرف فهنا لا يشكل ادعائه جريمة احتيال رغم انه لم يكن حقيقا .

4 – أن يكون الجاني قد توقع إن من شان الأفعال التي يقوم بها أن توقع المجني عليه بالغلط وتحمله على تسليم المال الذي بحيازته إلى الجاني(49) . فهذا الأخير والذي يقوم بعملية إدخال سلك التيار الكهربائي من وراء المقياس ويبذل العناية اللازمة للحيلولة دون أن يتم كشف ذلك من قبل الموظف المختص بالجباية لابد أن يكون قد توقع إن هذه الوسيلة التي قام بها من شأنها خداع المجني عليه وإيقاعه بالغلط وبالتالي قيامه بتثبيت قيمة اقل من القيمة الحقيقية لما استهلكه الجاني من التيار الحقيقي .

ثانيا : الإرادة  ( الاختيار )

ولقيام جريمة الاحتيال لا بد أن تكون إرادة الجاني قد انصرفت إلى جميع العناصر المادية للجريمة فيكون الجاني قد أراد القيام بارتكاب طريقة أو أكثر من طرق الاحتيال كما أراد النتيجة ألجرميه التي يمكن أن تترتب على هذا الفعل والمتمثلة في الاستيلاء على المال المملوك للغير . وعليه فلو كان الجاني قاصدا من الاستيلاء على المال مجرد الانتفاع به لفترة من الزمن ثم رده دون أن تكون عين هذه الأموال قد أصابها النقص أو التلف أو أن يكون قاصدا مجرد الاطلاع على هذا المال فان جريمة الاحتيال لا وجود لها في هذه الحالة .

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى إن هذا الفرض المتقدم لا يمكن تصوره لو إن محل جريمة الاحتيال هو تيار كهربائي لان هذا الأخير يكون الجزء الذي يستهلك منه مستحيل الرد أو إن ما يمكن أن ينتفع منه لا يمكن أن يتم إعادته عينا .

 

الفرع الثاني : القصد الخاص في جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي

ويراد بالركن الخاص هنا أن يتوفر لدى الجاني بالإضافة إلى عنصري العلم والإرادة نية سلب ثروة الغير كلها أو بعضها , فالجاني مع انتقال حيازة مال المجني عليه إليه يعمل على إظهار السيطرة عليه وحرمان المجني عليه منه نهائيا فلا يمكن أن نتخيل وجود جريمة الاحتيال لو أن الجاني لم تكن لديه نية العدوان على مال المجني عليه وإخراجه من ملكيته دون وجه حق وحرمانه منه بنية تملكه والتصرف به تصرف المالك , فلو أن الجاني كان قد باشر هذه الأفعال بنية المزاح وكان قاصدا أن يرد أصل المال إلى مالكه بعد حين من الزمن فلا وجود لجريمة الاحتيال .

ويعبر بعض شراح القانون(50) عن هذا القصد الخاص بعبارة النموذج القانوني الذي تنفرد فيه بعض الجرائم عن ما يشابهها من الأفعال الأخرى والتي يمكن أن تشكل جرائم أخرى تحت أوصاف قانونية معاقب عليها ضمن النصوص العقابية في قوانين العقوبات , وعليه فأن نية الاستئثار بمال الغير دون وجه حق والتصرف فيه تصرف المالك وممارسة جميع التصرفات التي يمكن أن يضمنها القانون للمالك من استعمال و انتفاع وبيع وغيرها إلى أن يهلك هذا المال والذي هو محل جريمة الاحتيال يعتبر في جريمة الاحتيال العنصر الثاني في القصد الجنائي العام إلى جانب العنصر الأول وهو العلم والإرادة  .

يبقى أن نسأل هنا ما إذا كان للباعث الذي يدفع الجاني إلى ارتكاب الجريمة دور في تكيف الفعل ألجرمي من الناحية القانونية أم لا ؟

 

بداية الأمر لا بد أن نبين المقصود بالباعث أو الدافع لارتكاب الجريمة , والذي هو عبارة عن الأسباب الشخصية التي دفعت الجاني إلى ارتكاب الجريمة وحقيقة الأمر إن جريمة الاحتيال شأنها هو من شأن بقية الجرائم الأخرى والتي لا يقيم القانون الجنائي فيها وزنا للباعث الدافع لارتكاب الجريمة سواء أكان هذا الباعث في سلب مال الغير خبيثا أو نبيلا كمن يقوم في جريمة الاحتيال بالتعدي على التيار الكهربائي باستعمال وسائل التدليس من اجل إيصال التيار الكهربائي إلى منازل للفقراء أو إلى مسجد أو غير ذلك دون أن تكون هنالك موافقة رسمية في إيصال مثل هذا التيار إلى هذه الأماكن (51)

*************************
عاشت مصر حرة
avatar
شعبان مجاورعلي المحامي
المدير العام

عدد المساهمات : 1391
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
الموقع : مصر

http://shabanavocat.almountada.info

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

مُساهمة من طرف شعبان مجاورعلي المحامي في الأحد 10 أغسطس 2014, 5:51 pm

 
 
المطلب الثالث : الركن الشرعي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي(52)
مبدأ الشرعية أو كما يسميه البعض من فقهاء القانون بمبدأ المشروعية أو مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والذي يراد به أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص , وبتعبير أخر أن يقوم المشرع الجزائي بتحديد الأفعال التي يمكن أن تكون جرائم محددا العقوبة لها والتي يمكن أن تفرض على من يباشر هذا السلوك إذا كان إنسان , فليس كل فعل مستهجنا من قبل المجتمع كونه لا يتفق وعادات هذا المجتمع أو تقاليده يمكن أن يعتبر من قبيل الجرائم التي يعاقب عليها مرتكبها آلا إذا وجد نص عقابي يجرم هذا الفعل ويحدد له الجزاء الذي يتناسب والخطورة الإجرامية التي يمكن أن تصيب المصالح المحمية قانونا وبالتالي يمكن أن نكون قد علمنا سلفا ما يمكن  أن يعد من قبيل المحظورات ( الجرائم ) , أما غيرها فلا يمكن أن يكون معاقبا عليها وبالتالي مباح للغير أن يباشرها دون أن يكون هنالك هاجس من أن يكون هذا الفعل أو ذاك معاقبا عليه وبالتالي تقيد ممارسة الحقوق التي يمكن أن يتمتع بها هذا الغير وفي جميع الأحوال فان تحديد نطاق الأفعال التي تعد من قبيل الجرائم لا يمكن أن يكون واحد في جميع الدول بل يخضع ذلك إلى ما يسمى بالسياسة الجنائية التي تتبعها الدولة والتي تأخذ بنظر الاعتبار تقاليد وأعراف أبنائها بنظر الاعتبار وهي تعمل على تحديد ما هو مباح من الأفعال وما هو مجرم(53) .
الفرع الأول : الجريمة التامة
جريمة النصب من الجرائم المادية (54) , والتي يتطلب لقيامها نتيجة محددة لابد أن تتحقق حتى نكون أمام جريمة احتيال كاملة الأركان , وهذه النتيجة هي تسليم المجني عليه ماله بإرادته المعيبة إلى الجاني فإذا كان التسليم قد تم بسبب وسائل التدليس التي خدعت المجني عليه وحملته إلى هذا التسليم نكون هنا إمام جريمة احتيال كاملة الأركان .وبعد هذا لا عبرة فيما إذا كان الجاني قد استعمل هذا المال بما يعود عليه بالنفع ا وان هنالك ضرر لحق بالمجني عليه من عدمه , بل إن الجريمة تبقى جريمة معاقب عليها ولو أن الجاني قام بتسليم المال إلى المجني عليه طالما إن هذا المال سبق وان دخل في حيازة الجاني وبسبب وسائل التدليس التي اتبعها لخداع المجني عليه فالعدول هنا لا عبرة به طالما انه جاء بعد تمام أركان الجريمة .
ومن مراجعة النصوص العقابية المقارنة نجد إن المشرع الجزائي عد جريمة الاحتيال من قبيل الجنح فالمشرع الجزائي الكويتي يعاقب على الجريمة التامة بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات والغرامة التي لا تتجاوز (225) دينار كويتي أو إحدى هاتين العقوبتين في حالة ما إذا تحققت الجريمة وفي حالة العود يمكن للقاضي الحكم بوضع المحكوم عليه تحت المراقبة من قبل أجهزة الأمن أو الشرطة ذات العلاقة بالجريمة مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن سنتين (55) , وهذا حال المشرع الجزائي المصري في قانون العقوبات حيث يجعل العقوبة من (24) ساعة إلى ثلاث سنوات لجريمة النصب التامة(56) , ولا يذهب المشرع الجزائي اللبناني بعيدا عن ما تقدم ذكره في ما يتعلق بعقوبة جريمة النصب التامة حيث يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مئة إلف إلى مليون ليرة(57) .
وهكذا فأن فعل التعدي على التيار الكهربائي يعد من قبيل جريمة الاحتيال وبالتالي يدخل في تكييفه القانوني ضمن النصوص العقابية التي تجرمها متى ما كان هنالك عملية تسليم للتيار الكهربائي من قبل المجني عليه بإرادته المعيبة إلى الجاني أي كانت الصفة التي يتمتع بها المجني عليه سواء أكان مصلحة الكهرباء أو العاملين فيها بصفة موظف أو مكلف بخدمة عامة أو كان المجني عليه فيها القطاع الخاص طالما كان هذا التسليم قد تم نتيجة طرق الاحتيال والتدليس التي قام بها الجاني والتي لولاها لما كان التسليم قد تم بالطريقة التي تم بها .
 
الفرع الثاني : الشروع في جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي
الشروع وفق المبادئ العامة للفقه الجنائي هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إلا إن النتيجة الإجرامية التي يمكن أن يحققها السلوك الإجرامي الذي قام به الجاني أوقف أو خاب أثره لسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيه , إلا انه لا يعد من قبيل الشروع في الجريمة مجرد العزم على ارتكاب الجريمة أو القيام ببعض الإعمال التحضيرية لذلك (58) .
والمشرع الجنائي في القوانين المقارنة عبر عن الشروع كونه جريمة قائمة بذاتها بعبارة الشروع كما هو حال المشرع المصري و الكويتي (59)  في حين عبر المشرع الجنائي عن الشروع بعبارة المحاولة في قوانين أخرى (60) .
فإذا قام الجاني بشراء ملابس عمال الكهرباء لاستخدامها كوسيلة تدليس لمد التيار الكهربائي إلى مكان ما دون وجه حق أو قام بشراء العدة اللازمة لعملية إيصال التيار الكهربائي إلى هذا المكان ولم يقم بالتنفيذ وان كان المانع من البدء بالتنفيذ لسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيه كما لو تعرض الفاعل إلى حادث أو ألمت به وعكة صحية حالت بينه وبين البدء بالتنفيذ فهنا لا يعد ذلك من قبيل الشروع وان توفرت النية كاملة لدى الفاعل في الاستيلاء على التيار الكهربائي دون وجه حق فالثابت فقها أن لا عقاب على الأعمال التحضيرية  .
  ومن ما تقدم ذكره فان الجاني يسأل مع بدء التنفيذ ومباشرته للنشاط المكون للسلوك الإجرامي فإذا لم تتحقق النتيجة الإجرامية لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه كما لو إن الجاني عمد إلى مد سلك التيار الكهربائي من محولة الكهرباء بعد أن قام بالظهور أمام المارة من الناس بملابس عمال مصلحة الكهرباء وتبين إن هذا المحول غير مجهز بالتيار الكهربائي بسبب انتهاء صلاحيته للعمل فهنا يكون الجاني قد بداء بالتنفيذ وخابت النتيجة بسبب لا دخل لإرادته فيه وبالتالي نكون أمام جريمة شروع في الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي ومن خلال الرجوع إلى نصوص المواد التي تعاقب على الشروع نجد إنها عاقبت عليه بما لا يزيد عن نصف عقوبة الجريمة التامة وهذا هو الحال لدى المشرع المصري  والمشرع الكويتي واللبناني(61) , علما إن الشروع غير معاقب عليه فيما يتعلق بالمخالفات عموما إلا إذا جاء نص صريح بالمعاقبة (62) .
 
المبحث الثاني : الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في القانون العراقي
عالج المشرع الجنائي العراقي جريمة الاحتيال في المواد (456 – 457 – 458 – 459 ) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل , وبقدر تعلق الأمر بجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي سيتناول الباحث الطبيعة القانونية لفعل التعدي على التيار الكهربائي وإمكانية إدخاله ضمن النصوص العقابية سالفة الذكر ومعاقبة مرتكبي هذه الأفعال بالعقوبات الواردة في هذه النصوص .
المطلب الأول : الركن المادي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في التشريع العراقي
من الأمور التي يمكن أن نشير إليها هنا إلى إن من تناول نصوص الاحتيال في قانون العقوبات العراقي بالشرح قد فرق بين جريمة الاحتيال والجرائم الملحقة بالاحتيال , ومن بين ما عدها شراح قانون العقوبات العراقي من قبيل الجرائم التي تلحق بالاحتيال هي جريمة التصرف بمال منقول أو عقار لا يملك المتصرف الحق القانوني للتصرف فيه وجريمة استغلال حاجة قاصر أو هواه أو عدم خبرته وجرائم الصك , وعلى قدر تعلق الأمر بأفعال التعدي على التيار الكهربائي فان هذه الأفعال إذا ما أريد تكييفها كونها من قبيل جرائم الاحتيال فأن الأمر لا يخرج عن نص المادة (456) والمادة (457) والمادة (458) من قانون العقوبات العراقي (63) .
 
الفرع الأول : عناصر الركن المادي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي
 
إن الركن المادي لجريمة الاحتيال بشكل عام وفق ما ورد في نص المادة (456) عقوبات عراقي و الأخذ بنظر الاعتبار في ما يتعلق بفعل التعدي على التيار الكهربائي يتكون من العناصر التالية :
 
أولا : استعمال طرق احتيالية أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو تقرير أمر كاذب
ثانيا : تسلم أو نقل حيازة مال منقول مملوك لغير الجاني
ثالثا : علاقة سببية بين الوسائل الاحتيالية التي قام بها الجاني وتسلم المال أو نقل حيازته إليه .
 
وهذا ما سيتناوله الباحث وفق التفصيل التالي ذكره
 
أولا : استعمال طرق احتيالية أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو تقرير أمر كاذب
إن المشرع العراقي ومن خلال الرجوع إلى نص المادة (456)(64) من قانون العقوبات العراقي , نجد انه لم يورد تعريف محدد للطرق الاحتيالية , ويرى الباحث إن ما ذهب إليه المشرع في العزوف عن تعريف الطرق الاحتيالية ولو من بعيد هو مسلك ايجابي فالطرق الاحتيالية التي يمكن أن تكون السلوك المجرم هنا هو ما يتعلق بأساليب الغش والخداع والتي هي عرضة إلى التغيير بين الحين والآخر بما يتفق والتطور السريع الذي يشهده العالم ألان من حيث الثورة التقنية حتى باتت جرائم الاحتيال والنصب التي ترتكب عن طريق الحاسب الآلي وما يرتبط باستخدام هذا الحاسب من وسائل الاتصال عن طريق شبكات الاتصال المعلوماتية هي من اخطر أنواع جرائم الاحتيال فحيث تكون شخصية الجاني في جرائم الاحتيال التقليدية واضحة إلى العيان إضافة إلى ما يخلفه السلوك الإجرامي في مثل هذا النوع من الجرائم من أدلة ثبوتية فأن الأمر يكون على خلاف ذلك فيما يتعلق بالنوع المستحدث من جرائم النصب والتي يباشرها الجاني من خلال ما تهيئه شبكات الاتصال المعلوماتية من الفرص للقيام بإعمال الغش والخداع , فالحاسب والانترنت وما يتم من خلالها من عقد صفقات تجارية وعمليات تسليم للأموال و ألحوا لآت الالكترونية وغيرها من المعاملات المالية من بيع وشراء من خلال بطاقات الائتمان المصرفية يمكن أن تشكل تربة خصبة لنجاح العمليات  الاحتيالية (65) وهذا يرجع إلى خصوصية الانترنيت وأجهزة الحاسوب الالكترونية ذات العلاقة وما تتضمنه من قبول للصفات والأسماء والتوقيعات والمستندات والى غير ذلك من الافتراضية إذ إن المبدأ العام إن من يقبل بمباشرة الأعمال من خلال هذا الباب لابد أن يتقبل الفروض التي تقوم مقام الواقع , وهذا ما يدعو إلى التمييز بين الظهور الافتراضي والظهور المادي للجاني بل وحتى لأدلة الإثبات (66) , فعوضا عن الشخص أو الهيئة التي يكون لها وجود مادي يمكن أن نكون أمام موقع الكتروني وهذا ما يصطلح عليه بالوجود المعنوي(67) .  
وهنا يمكن أن نرجع إلى ما ورد من شروح على نص المادة (456)  لفقهاء القانون في العراق وبيان قصد المشرع العراقي من الطرق الاحتيالية , ولعل أقربها إلى واقع حال السوابق القضائية في العراق هو ما ورد على لسان الدكتور فخري عبد الرزاق الحديثي والذي يعرفها بأنها ((ما يأتي به الجاني من أعمال ظاهرية أو ما دية يتعمد حبكها من اجل أن يدعم بها أقواله فيضفي بها على خداعه وغشه وجه الحقيقة ولا يمكن أن تعد من قبيل الطرق الاحتيالية مجرد الأكاذيب العارية والمجردة سواء أكانت شفوية أو مكتوبة ولا يغير من هذا الحال شيء ولو إن الجاني قد ألح في تأكيد صحتها إلى أن تأثر المجني عليه فسلم ماله إلى الجاني )) . ويرى الباحث أن الرجوع إلى ما سبق ذكره في هذا البحث فيما يتعلق باستعمال طرق احتيالية أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو تقرير أمر كاذب تحديدا وموقف التشريعات المقارنة من هذا الموضوع وما تم ذكره من الأمثلة الافتراضية و بقدر تعلق الأمر بفعل التعدي على التيار الكهربائي  يغني عن البحث في موقف المشرع العراقي هنا , ذلك لان المشرع العراقي على قدر تعلق الأمر بذلك لم يذهب بعيدا عن الجادة التشريعية التي سار بها المشرع الجنائي في القوانين المقارنة  .
 
ثانيا : تسلم أو نقل حيازة مال منقول مملوك لغير الجاني
وبالرجوع إلى نص المادة (456) عقوبات عراقي نجد أن المشرع قد أشار إلى ضرورة أن تؤدي طرق الاحتيال وما يعد من قبيل هذه الطرق للتوصل إلى تسلم المال المنقول والمملوك للغير من قبل الجاني أو نقل حيازته إليه وعليه فأن المال موضوع جريمة الاحتيال من وجهة المشرع العراقي لابد أن تتوافر فيه العناصر التالية
 
1 – أن يكون المال من قبيل المنقولات : 
والاحتيال كما الحال في جريمة السرقة وخيانة الأمانة يمكن أن تقع على منقول  , والمشرع العراقي كان واضح الهدف من نص المادة (456) وهو حماية المال المنقول جاعلا من محل جريمة الاحتيال في الفقرة الأولى مال منقول مملوك للغير وفي الفقرة الثانية من نص المادة نفسها أشار إلى ما يمكن أن يقوم مقام المال المنقول من سند موجد لدين أو تصرف في مال بأحد الوجوه القانونية للتصرف كالبيع والهبة أو التصرفات ذات العلاقة بإبراء الذمة من الدين أو أي سند آخر يمكن أن يستعمل لإثبات حقوق الملكية أو أي حق عيني آخر كالرهن .
إن المنقول بشكل عام يمكن أن يتسع لجميع الأشياء المنقولة سواء ما كان منها من قبيل الأشياء المادية أو أن تكون من قبيل الأشياء التي تكون لها قيمة مادية ولو لم تكن من الماديات كما هو الحال في الأشياء الغازية أو السلكية وهذا ما يمكن أن يكون محلا للبحث هنا (68) 
إن المشرع الجنائي العراقي قد نص وبشكل صريح إلى انه يعد التيار الكهربائي من المنقولات والتي يمكن أن تكون محلا لجريمة الاختلاس في الباب الثالث من قانون العقوبات وتحديدا المادة (439)(69)  وبالتالي من باب أولى أن يكون التيار الكهربائي محلا لجريمة الاحتيال أو خيانة الأمانة فالمشرع الجنائي حدد المقصود بالمنقول لتطبيق أحكام السرقة لا من اجل حصر المنقولات المذكورة على كونها محلا لجريمة السرقة وإنما من اجل حسم الخلافات الفقهية والقضائية التي يمكن أن تثور بصدد الحديث عن بعض صور المنقولات والتي يمكن أن تكون محلا للتأويل نضرا لطبيعتها المعقدة . (70)
 
2 – أن يكون هذا المنقول ذا قيمة :
يجب أن تكون لهذا المنقول قيمة , والسؤال الذي يمكن أن يثار هنا  هو ما  القيمة التي يتطلبها القانون لجعل المنقول قابلا لان يكون محلا لجريمة الاحتيال ؟
إن الفقه  القانوني يحدد نوعين من القيم وفق التفصيل التالي ذكره (71)
 * النوع الأول وهي ما تسمى بالقيمة المالية والتي يقصد بها إن هنالك إثراء ايجابي أو سلبي للذمة المالية للمثري فتدخل إليها قيمة مالية إضافية كما لو قام الجاني في إطار فعل التعدي على التيار الكهربائي بمد سلك التيار الكهربائي إلى منزله دون أن يمر عبر العداد فيكون هنا الإثراء ايجابيا أما الإثراء السلبي فيكون عن طريق إنقاص العناصر السلبية للذمة المالية للمثري كما لو أن الجاني قام بالعبث بأرقام عداد التيار الكهربائي بما يقلل من المبلغ المستحق عليه فيكون هنا في الحالتين قد اثري على حساب مصلحة الكهرباء .
*  النوع الثاني وهي ما تسمى بالاعتبارية التي نعني بها ما يمكن أن تكون له قيمة أدبية كالقيم التي تتعلق بالنتاج الفكري كالمؤلفات الأدبية أو العلمية أو براءة الاختراع وغيرها .
هكذا ومن خلال المتقدم ذكره يمكن أن نحدد القيمة المالية للمنقول في فعل التعدي على التيار الكهربائي بالمادية دون الأدبية .
 
3- أن يكون هذا المنقول مملوكا للغير :
فإذا كان المال مملوكا في الأصل إلى المتهم والذي يقوم بإتباع الطرق الاحتيالية للوصول إلى تسلمه أو نقل حيازته من حائزه ولو بغير حق فهنا لا يعد المتهم مرتكبا لجريمة الاحتيال .
 
  4- تسلم المال أو نقل حيازته :
ولكي تكتمل عناصر جريمة الاحتيال لابد أن يكون هنالك تسلم للمال المنقول محل جريمة الاحتيال أو نقل حيازته إلى الجاني أو لغيره , وبهذا التسليم أو نقل الحيازة تتحقق النتيجة الجرمية التي يتطلبها القانون لتمام جريمة الاحتيال , فإذا أخذنا العملة من الوجه المعاكس لهذا القول نجد أن المشرع قد افترض سلفا أن المال المنقول والذي هو محل جريمة الاحتيال يجب أن يكون في حيازة المجني عليه , ولا يغير من الأمر شيء فيما لو أن الجاني قد تسلم المال أو ادخله في حيازته من شخص آخر غير المجني عليه وهذا ما يكون كثير الوقوع في فعل التعدي على التيار الكهربائي إذ غالبا ما يكون الشخص الذي قام بتسليم التيار الكهربائي إلى الجاني هو ليس بالمجني عليه كالموظف المختص بالجباية أو عمال الكهرباء إلى غير ذلك من العاملين في مصلحة الكهرباء , أما المجني عليه فهو في الغالب يكون مصلحة الكهرباء , إلا إن هذا لا يمنع من أن يتم التسليم من قبل المجني عليه نفسه إلى الجاني كما لو كان المجني عليه هو صاحب توليد كهربائي خاص وانه يقوم بتجهيز بعض المحلات والأماكن بالتيار الكهربائي نضير مبلغ من المال .
 
ثالثا : العلاقة السببية بين تسلم المال أو نقل حيازته من جهة وبين الأفعال التي قام بها الجاني من جهة أخرى
والعلاقة السببية لازمة في جريمة الاحتيال كما هو الحال في جميع الجرائم بين الفعل المكون للجريمة وبين النتيجة الجرمية التي تحققت وفقا للقواعد العامة  , ولهذا فأن المشرع العراقي قد نص في المادة (456) على انه ((من توصل إلى تسلم أو نقل حيازة مال منقول........بأحد الوسائل التالية ...)) ولهذا فان المشرع العراقي يشترط أن يتم التسليم أو نقل الحيازة من المجني عليه إلى الجاني بناءا على الطرق الاحتيالية التي عول عليها الجاني في خداع المجني عليه و لتمام التسليم أو نقل الحيازة إليه .
بالرجوع إلى نص المادة (456) من قانون العقوبات العراقي نجد إن المشرع قد وضع جملة من الشروط الواجب توفرها لتحقق العلاقة بين النتيجة والفعل وهذه الشروط هي
1 – يضع المشرع العراقي صور للفعل ألجرمي التي يكون الجاني قد لجاء إليها من اجل إيقاع المجني عليه بالغلط , فهذه الوسائل هي التي أدت إلى غش وخداع المجني عليه فليس هنالك ما يدعو للبحث عن توفر العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية وان تحققت النتيجة وهي التسليم دون أن يكون الجاني قد باشر واحدة من الوسائل المنصوص عليها في المادة (456) , كما لو حصل التسليم نتيجة خطاء المجني عليه أو إهماله فالموظف المختص بالجباية ضعيف البصر و الذي يقوم بجباية المبالغ المستحقة على المشتركين من خلال قراءة العداد الكهربائي و كان وقت تحصيل هذه المبالغ قد أهمل لبس نظاراته الطبية معتمدا على صاحب الدار في قراءة العداد فقام صاحب الدار بقراءة العداد بأقل من القيمة الحقيقية للمبالغ المستحقة عليه فهنا لا وجود لجريمة الاحتيال وان تحققت النتيجة الجرمية وهي تسليم المال المنقول , فالتيار الذي استهلكه المشترك في الواقع هو أكثر  من المبلغ الذي قام بدفعه ثمنا له .
2 - أن يتم تسليم المال المنقول والذي هو محل لجريمة الاحتيال في وقت لاحق على استعمال الطرق الاحتيالية والتي أدت إلى حصول هذا التسليم , وبالتالي فان التسليم إذا تم قبل أن يقوم الجاني بإتباع الوسائل الاحتيالية ثم قام الجاني بإتباع هذه الوسائل للحيلولة دون إعادة هذا المال فلا نكون أمام جريمة احتيال لأن الأمر لا يخرج عن كونه جريمة خيانة أمانة أو سرقة فالطرق الاحتيالية والتي قام الجاني بإتباعها لم يكن يقصد منها حمل المجني عليه على تسليم المال لان المال في حيازته أصلا وإنما يريد بها التحلل من الالتزام المترتب على ذمته في رد المال الذي كان قد تسلمه من المجني عليه و دون أن يتبع الجاني طرق احتيالية لحمل المجني عليه على تسليم ماله إليه و دون أن يكون الجاني قد أوقع المجني عليه في الغلط , فالمجني عليه في هذه الحالة قام بتسليم المال إلى الجاني بإرادة صحيحة لا يشوبها العيب أو الغلط.
 فقيام الجاني بعملية مد التيار الكهربائي من منطقة سكنية أخرى  غير المنطقة التي يقع بيته فيها للاستفادة من أوقات القطع المبرمج للتيار الكهربائي لهذه المنطقة والتي ينقطع فيها التيار الكهربائي بشكل معاكس للمنطقة التي يقع منزله فيها وعند التفتيش من قبل الجهات المختصة في رصد مثل هذه التجاوزات يقوم الجاني بإتباع طرق احتيالية للحيلولة دون كشف عملية التجاوز من قبلهم كما لو قام بدفن سلك توصيل التيار الكهربائي في الأرض وإيصاله إلى منزله فهنا كانت عملية التحايل قد وقعت بعد أن قام الجاني بتسلم المال المنقول وبالتالي نكون أمام جريمة سرقة لا جريمة احتيال .
3 – أن يكون تسليم المجني عليه ماله إلى الجاني نتيجة لهذه الوسائل الاحتيالية .
 فإذا كان الجواب على السؤال التالي بالنفي لا نكون أمام جريمة احتيال
لو أن الجاني لم يقم بإتباع واحدة من وسائل الاحتيال فهل يقوم المجني عليه بتسليم ماله إلى الجاني ؟

*************************
عاشت مصر حرة
avatar
شعبان مجاورعلي المحامي
المدير العام

عدد المساهمات : 1391
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
الموقع : مصر

http://shabanavocat.almountada.info

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بحث (الطبيعة القانونية لجريمة الاحتيال في التعدي علي التيار الكهربائي)عمار غالي عبد الكاظم

مُساهمة من طرف شعبان مجاورعلي المحامي في الأحد 10 أغسطس 2014, 5:52 pm

 
 
الفرع الثاني : الشروع في جريمة الاحتيال
الشروع في جريمة الاحتيال محكوم بالقواعد العامة وعليه فالجاني يسأل عن الشروع في الاحتيال إذا كان الفعل الذي باشره يمكن أن يوصف بأنه بدء بتنفيذ الجريمة وذلك بان يقوم الجاني بمباشرة واحدة من الوسائل التي نص عليها المشرع في المادة (456) من قانون العقوبات العراقي بقصد خداع المجني عليه ودفعه إلى تسليم ماله إلى الجاني إلا إن النتيجة الإجرامية والمتمثلة بالتسليم أو نقل الحيازة لم تتحقق لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه كما لو أن الجاني قام بإيصال سلك التيار الكهربائي إلى منزله متبعا الطرق الاحتيالية في إيصالها إليه إلا إن التيار الكهربائي لم يصل إلى منزله بسبب عدم صلاحية سلك التيار الكهربائي لأداء وضيفته في نقل التيار الكهربائي كما لو كان هنالك قطع داخلي في السلك لم يكن الجاني يعلم بوجوده(721) .
وبالرجوع إلى نص المادة (31) من قانون العقوبات العراقي يمكن تحديد عقوبة الشروع في جريمة الاحتيال للتعدي على التيار الكهربائي بالحبس بنصف مدة الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة , وتكون العقوبة الحبس أو الغرامة التي لا تزيد عن نصف الحد الأقصى لعقوبة الحبس أو الغرامة المقررة للجريمة إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الحبس أو الغرامة(73) . 
 
المطلب الثاني : الركن المعنوي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في التشريع العراقي
الفرع الأول : عناصر الركن المعنوي
جريمة الاحتيال من الجرائم العمدية والتي يلزم لقيامها توافر القصد ألجرمي بعنصريه ( العلم و
الإرادة )
ويراد بالعلم والإرادة هنا ما يأتي
1 -  أن يكون الجاني عالما وقت مباشرته للوسائل الاحتيالية التي قام بها إن من شأن ذلك أن يؤدي إلى خداع المجني عليه وحمله على تسليم ماله بإرادة يشوبها الغلط الذي لو لاه لما قام المجني عليه بتسليم ماله وبالشكل الذي تم فيه هذا التسليم , أي أن يكون الجاني عالما بأنه يكذب وعليه فان القصد ألجرمي لا يكون متحققا لو كان المتهم يعتقد بصحة ادعائه الذي يخالف الواقع ولا يغير من ذلك كون المتهم أهمل في تقصي الحقيقية , فلا وجود للإرادة ألاثمة التي هي مقصد المشرع من تجريم الفعل فالمتهم نفسه كان ضحية جهله بالواقع فلو ثبت أن المتهم الذي قام بمد التيار الكهربائي إلى منزله وقيامه بتثبيت عداد كهربائي عاطل عن العمل ما كان يعلم بان هذا العداد عاطل وان القراءة التي يعطيها هذا العداد اقل من التيار الكهربائي الذي يستهلكه المتهم فلا وجود لجريمة الاحتيال فالمتهم هنا ما كان قاصدا إيهام مصلحة الكهرباء وإيقاعها بالغلط وان انصرفت إرادة الجاني إلى السلوك المادي المكون لجريمة الاحتيال فغياب عنصر العلم هنا أدى إلى رفع صفة التجريم عن الفعل .
2 – أن يكون الجاني عالما بان المال محل جريمة الاحتيال هو ملك للغير ويستوي في ذلك أن يكون هذا الغير المجني عليه الذي أوقعه الجاني في الغلط فسلم ماله إليه أو أن يكون غير الجاني كما هو الحال في الموظف أو العامل الذي يعمل لدى مصلحة الكهرباء فيقوم بتسليم التيار الكهربائي الذي هو ملك للجهة التي يعمل بها إلى الجاني تحت تأثير الطرق الاحتيالية والتي أتى بها الجاني  والتي أوقعته بالغلط .
3 – اتجاه إرادة الجاني إلى مباشرة واحدة من الوسائل الاحتيالية التي نص عليها المشرع العراقي في المادة (456) من قانون العقوبات العراقي و أيضا إرادة النتيجة الجرمية التي يمكن أن تؤدي لها هذه الأفعال وهي تسلم أو نقل حيازة أموال المجني عليه إلى الجاني   أوالى شخص آخر غيره .
 
الفرع الثاني : الباعث على الجريمة
إن المبدأ العام في جميع الجرائم أن لا يعتد بالباعث الدافع لارتكاب الجريمة إلا إذا ورد نص صريح في القانون يجعل من الباعث الدنيء ظرفا مشددا كما هو الحال على سبيل المثال بنص المادة (406) ف(ج) فيما يتعلق بجريمة القتل العمدية أو يجعل من الباعث الشريف عذرا مخففا كما في نص المادة (409) فيما يتعلق بجريمة القتل العمد للزوجة أو احد المحارم أو لشريكها في حالة تلبسهما بالزنا أو وجودهما في فراش واحد مع شريكها , وبخلاف ذلك لابد أن يتم الرجوع إلى القاعدة العامة في هذا المجال والتي هي نص المادة (38) والتي تشير إلى إن الباعث على ارتكاب الجريمة لا يعتد به إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك .
وعليه فانه لا عبرة في الباعث الذي يدفع الجاني إلى ارتكاب جريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي , فالجريمة تكون متحققة ويكون الجاني فيها مستحقا للعقاب ولو ثبت انه ارتكب الجريمة بدافع نبيل .
 
المطلب الثالث : الركن الشرعي لجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في التشريع العراقي
جريمة الاحتيال من الجرائم التي تمثل اعتداء على الحق في الملكية سواء أكانت هذه الملكية مما يعد من قبيل المنقولات أو العقارات , والأمر الذي يعنينا هنا هو ما يتعلق بالمنقول بعد أن فرغنا من إثبات أن التيار الكهربائي يعد من قبيل الأموال المنقولة  وهذا الأمر هو ما يدعونا إلى التميز بين جريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي وغيرها من الجرائم ذات الأوصاف القانونية التي تغاير الاحتيال ولكنها في الوقت نفسه تمثل تعديا على التيار الكهربائي فالتيار الكهربائي يمكن أن يكون عرضة لجريمة السرقة وخيانة الأمانة وهذا ما سيتناوله الباحث تباعا
 
الفرع الأول : التميز بين الاحتيال والسرقة في التعدي على التيار الكهربائي
عرف المشرع العراقي السرقة في المادة (429) من قانون العقوبات العراقي بأنها ((اختلاس مال منقول مملوك لغير الجاني عمدا )) ثم نص على بيان المحل الذي يمكن أن تقع عليه جريمة السرقة بالقول ((...ويعتبر مالا منقولا لتطبيق أحكام السرقة النباتات وكل ما هو متصل بالأرض أو مغروس فيها بمجرد فصله عنها والثمار بمجرد قطفها والقوى الكهربائية والمائية وكل طاقة أو قوة محرزة أخرى ......)) .
إن موضوع (محل) جريمة السرقة والاحتيال هو المال المنقول وقد انتهى العلم ألان إلى عد التيار الكهربائي من المنقولات التي تصلح لكي تكون محلا لجريمة السرقة وغيرها من الجرائم التي يكون محلها مالا منقولا , كما وتتفق جريمة السرقة مع الاحتيال في أن المال محل الجريمة لم يكن في حيازة الجاني فهو في بادئ الأمر يعتدي على حيازة المجني عليه على ماله لكي يتاح له بعد ذلك الاعتداء على ملكيته للمال المنقول محل الجريمة(74) .   
إلا إن السرقة لا تمشي على جادة واحدة مع الاحتيال وان اتفقت الجريمتين في المحل والقصد ألجرمي العام , فموطن الاختلاف هو من حيث كون المجني عليه في جريمة السرقة قد انتزعت ملكيته من المال محل الجريمة عنوة وبدون رضاه وهذا خلاف ما هو عليه الحال في جريمة الاحتيال فاتجاه الجاني إلى سلوك الوسائل الاحتيالية يدفع المجني عليه إلى تسليم ماله بإرادته التي يشويها العيب والغلط وهكذا نجد أن المشرع العراقي قد فرق بين الجريمتين أثناء التعبير عن السلوك المادي المكون للجريمة ففي جريمة السرقة يعبر عنها ب((اختلاس)) وفي جريمة الاحتيال بعبارة ((من توصل إلى تسلم أو نقل حيازة ....بأحد الوسائل التالية ...))وهكذا فالجاني في جريمة السرقة وإذا بحثنا في القصد ألجرمي الخاص بها نجد انه توجيه الفاعل إرادته إلى الاستيلاء على مال المجني عليه بطريق الاختلاس وتجريد مالكه من حيازته عنوة من اجل التصرف فيه تصرف المالك أما القصد ألجرمي الخاص في جريمة الاحتيال فيمكن أن نعبر عنها بأنها توجيه الفاعل أرادته إلى الاستيلاء على مال المجني عليه بطريق الاحتيال عليه ودفعه إلى تسليم ماله إليه بإرادته التي يشوبها الغلط .    
ومن المتقدم ذكره فان الفعل يعد من قبيل السرقة إذا قام الجاني بتوصيل سلك خارجي وربطه بأسلاك التوصيل الكهربائي أو بتعطيل العداد بحيث لا يسجل الكمية التي يستهلكها الجاني أو يقوم بإيصال سلك خارجي بأسلاك التيار الكهربائي لمشترك آخر دون رضاه أما إذا قام الجاني بسلوك بعض الوسائل الاحتيالية في عملية إيصال التيار الكهربائي إليه كما لو قام في المثال المذكور والخاص بتعطيل العداد عن العد ولكن بطريقة احتيالية كقيامه بتمرير سلك التيار الكهربائي من خلف العداد محاولا إيهام من ينظر إليه بأنه قد مر من خلال العداد نكون أمام جريمة احتيال لا سرقة .
 
الفرع الثاني : التمييز بين خيانة الأمانة والاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي
عرف المشرع العراقي جريمة خيانة الأمانة في المادة (253) من قانون العقوبات العراقي معرفا إياها ب((كل من اؤتمن على مال منقول مملوك للغير أو عهد به إليه بأية كيفية كانت أو سلم له لأي غرض كان فاستعمله بسوء قصد لنفسه أو لفائدته أو لفائدة شخص آخر أو تصرف به بسوء قصد خلافا للغرض الذي عهد به إليه أو سلم له من اجله حسب ما هو مقرر قانونا أو حسب التعليمات الصريحة أو الضمنية الصادرة ممن سلمه أو عهد به إليه بالحبس أو    بالغرامة )) (75) .
وهنا نجد ومن خلال ما تقدم أن المال الذي هو محل لجريمة خيانة الأمانة من قبيل المنقولات وهذا هو الحال في جريمة الاحتيال وكذلك فان المال ينتقل هنا إلى حيازة الجاني برضاء المجني عليه كما في جريمة الاحتيال ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن التسليم الذي يتم في جريمة خيانة الأمانة يكون قد تم بالكامل قبل أن يباشر الجاني الركن المادي (السلوك الإجرامي) المكون لجريمة خيانة الأمانة وهذا ما يمكن أن يطلق عليه بالحيازة الناقصة للمال محل الجريمة والذي يمكن أن يتم التوصل إليه من عبارة ((خلافا للغرض الذي عهد به إليه أو سلم له من  اجله ...)) , وهذا بخلاف ما هو عليه الحال في جريمة الاحتيال فالجاني لا ينتقل المال إلى حيازته إلا بعد أن يكون قد باشره واحدة أو أكثر من الوسائل الاحتيالية والتي دفعت المجني عليه إلى تسليم ماله إلى الجاني بالإرادة التي يشوبها العيب والغلط .
وتختلف جريمة خيانة الأمانة عن جريمة الاحتيال أيضا في كون خيانة الأمانة تمثل اعتداء على حق الملكية فقط دون الحيازة فالحيازة للمال والتي كانت تسبق الجريمة هي صحيحة بالكامل وبنص القانون أما في جريمة الاحتيال فان فعل الجاني يمثل اعتداء على حقي الحيازة والتملك .
كما إن جريمة خيانة الأمانة تختلف عن جريمة الاحتيال كونها من الجرائم التي لا يمكن أن يكون فيها الشروع متحققا على خلاف ما هو عليه الحال في جريمة الاحتيال حيث سبق وان تمت الإشارة إلى إمكانية أن يكون هنالك شروع في جريمة الاحتيال , فلا شروع في جريمة خيانة الأمانة طالما أن نية التملك للمؤتمن للمال الذي اؤتمن عليه هو الفيصل في عد الجريمة تامة أم لا , فمتى ما اظهر الآمين نية التملك وتغير نوع الحيازة الناقصة إلى حيازة كاملة كانت الجريمة تامة , وطالما أن نية التملك هي من الأشياء التي لا يمكن أن يتم تجزئتها وان الجريمة لا وجود لها قبل هذه اللحظة فإننا يمكن القول هنا أن جريمة خيانة الأمانة أما أن تقع تامة وأما أن لا تقع أصلا وبالتالي لا شروع فيها 
وعليه فلو تم تسليم التيار الكهربائي المملوك للغير على سبيل الأمانة إلى المؤتمن أو عهد به إليه بأي كيفية كانت كما لو عهد به إليه على سبيل الحراسة أو عارية استعمال أو غيرها من وجوه تسليم المال إلى الغير على سبيل الحيازة الناقصة ثم تصرف المؤتمن بالمال محل التسليم تصرف المالك بهذا التيار الكهربائي نكون أمام جريمة خيانة أمانة . 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الخاتمة
من خلال البحث يورد الباحث
·        الاستنتاجات
أراد الباحث من خلال دراسته لجريمة الاحتيال بشكل عام وجريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي بشكل خاص أن يبين أهمية دراسة الاحتيال من بين الجرائم الأخرى التي يمكن أن تقع على المال وهذا مرده إلى التطور الاقتصادي السريع وزيادة الثروات لدى الإفراد والشخصيات المعنوية العامة والخاصة , الأمر الذي دفع العديد ممن يمتهن الإجرام ويجعل منه سبيل للحصول على الأموال أن يبتكر أساليب احتيالية جديدة للحصول على أرباح مالية سواء أكان ذلك بشكل مباشر من خلال الإضافة الايجابية إلى الذمة المالية لهم أو إنقاص ما يترتب عليهم من التزامات مالية وهذا ما تم لمسه من خلال هذا البحث , فاليوم ترتكب جريمة الاحتيال في التعدي على التيار الكهربائي في واقع الحياة المعاصرة وبالأخص في بلدنا العراق دون أن تكون لسلطات الضبط القضائي الدور في تعقب مرتكبيها ومعاقبتهم فلا يزال العديد من هذه الجرائم لا يتم اتخاذ الإجراء القضائي بحقها كما لا يشهد الواقع القضائي في العراق إلى وجود السوابق القضائية في هذا المجال ليس إلى حد الجزم ولكن إلى الحد الذي لا يمكن أن يتناسب مع ما يرتكب من هذه الجرائم يوميا وبالتالي باتت القاعدة العامة التي يمكن أن يتم القياس على أساسها هو إن هذه الجريمة من الجرائم التي يمكن لمرتكبيها أن يفلتوا من عقاب السلطات المختصة والتي لا تبذل من الجهود ما يكفي لكشف مرتكبيها , وهذه المفارقة التي دفعت الباحث إلى لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة الغير طبيعية , ففي الوقت الذي تكثر فيه جرائم التعدي على التيار الكهربائي بشكل عام وجريمة الاحتيال في التعدي عليه بشكل خاص لا نجد هنالك من الأحكام الصادرة بحق الجناة في القضاء العراقي إلا النزر اليسير وهذا ما لا يمكن تبريره حتى باتت هذه الجريمة من الجرائم التي ترتكب من قبل الأشخاص الذين ليست لديهم سجلات إجرامية فغياب الردع العام في معاقبة مرتكبي هذه الجريمة هو ما دفع هؤلاء وشجعهم إلى ارتكاب هذا الفعل المجرم قانونا حتى يكاد مرتكب هذه الجريمة يخرج من وصف الجاني إلى وصف المتجاوز على التيار الكهربائي وكأن التيار الكهربائي هو ليس من المال العام ولا يمكن أن يكون محلا لجريمة الاحتيال أو السرقة  .
والسؤال الذي يمكن أن يثار هنا .. هل عاد فعل التعدي على التيار الكهربائي من قبيل الاستثناء من مبدأ شرعية الجريمة والعقاب ؟
 
 
 
 إن فعل التعدي على التيار الكهربائي أصبح اليوم من الجرائم التي ترتكب بالعادة حتى بات العديد من العراقيين يرتكبون هذه الجريمة دون الاكتراث إلى كون هذا الفعل يشكل جريمة يمكن أن يعاقب مرتكبها عليها  أم لا , فقد آمن الجاني عدم العقاب من خلال الإجراءات المتبعة في رصد المخالفات من قبل مصلحة الكهرباء , فالعرف الذي يجري اليوم فيما لو استطاع موظفي مصلحة الكهرباء رصد جريمة التعدي على التيار الكهربائي هو محاولة إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل القيام بارتكاب هذا الفعل و دون تحريك الدعوى الجزائية بحق مرتكبيه .
 
·        التوصيات
 
يرى الباحث ضرورة أن يتم تفعيل دور مصلحة الكهرباء في العمل بالقانون وملاحقة مرتكبي هذه الجريمة وتحريك الدعوى الجزائية بحق مرتكبيها وبذل الجهود من قبل سلطات الضبط القضائي في تدعيم هذا الدور بل ومحاسبة المقصرين في حالة عدم بذل الجهود من قبل الجهات التابعة لمصلحة الكهرباء والمعنية برصد مثل هذه الأفعال المجرمة بموجب نص قانون العقوبات العراقي , فلا خيار غير هذا الأخير أمام من يحرص على أموال الدولة من الضياع والخراب , ومن جهة أخرى للردع و قطع دابر من يحاول التعدي على التيار الكهربائي في المستقبل  .
 

*************************
عاشت مصر حرة
avatar
شعبان مجاورعلي المحامي
المدير العام

عدد المساهمات : 1391
تاريخ التسجيل : 05/05/2011
الموقع : مصر

http://shabanavocat.almountada.info

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى